وحلولَ المَثُلات١ والآفات بهم ووقوعَها خلال ديارهم كمواقع القَطْر، وهم صرعى لا يفيقون. وما أشدَّ إعداءَ٢ هذا الصَّرع! ولكن لمَّا عمَّت٣ البليَّة به بحيث لا يرى إلا مصروعًا لم يصر مستغربًا ولا مستنكرًا، بل صار لكثرة المصروعين المستنكَر المستغرَب خلافه.
فإذا أراد الله بعبد خيرًا أفاق من هذه الصَّرعة، ونظَر إلى أبناء الدُّنيا مطرَّحين٤ حوله يمينًا وشمالًا، على اختلاف طبقاتهم. فمنهم من قد أطبق به الجنونُ، ومنهم من يفيق أحيانًا قليلةً ويعود إلى جنونه، ومنهم من يُجَنُّ مرَّةً ويُفيق أخرى؛ فإذا أفاق عمِلَ عملَ أهل الإفاقة والعقل، ثمَّ يعاوده الصَّرع، فيقع التخبيط٥.
فصل٦
وأمَّا صَرْع الأخلاط، فهو علَّةٌ تمنع الأعضاء النفيسة٧ عن الأفعال
(١) س: «التلاف».
(٢) هكذا ضبط في ث من أعداه المرضُ. وقد غيَّره الفقي إلى «داء» وتابعته نشرة الرسالة.
(٣) ث: «دلت»، وفي ل: «دعت»، ولعل كليهما تحريف.
(٤) ويجوز: «مطَّرَحين». وفي النسخ المطبوعة: «مصروعين».
(٥) هكذا في جميع النسخ. وفي ن غيَّره بعضهم إلى «التخبُّط»، وكذا في الطبعة الهندية وغيرها.
(٦) كتاب الحموي (ص ٩٨ - ٩٩).
(٧) تقابله الأعضاء الخسيسة. انظر: «الحاوي» (٤/ ١٠، ٥٢٨)، (٧/ ٤٢٠). وفي ث، ل، ن: «النفسية»، وكذا في النسخ المطبوعة وفي كتاب الحموي (ص ٩٨) ومصدره «القانون» (٢/ ١١٨)، ولعله تصحيف.
والحركة والانتصاب منعًا غير تامٍّ. وسببه خِلْطٌ غليظٌ لَزِجٌ يسُدُّ منافذَ بطون الدِّماغ سدَّةً غير تامَّةٍ، فيمنع نفوذَ الحسِّ والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذًا مَّا١ من غير انقطاعٍ بالكلِّيَّة. وقد يكون لأسبابٍ أُخَر كريحٍ غليظٍ يحتبس في منافذ الرُّوح، أو بخارٍ رديٍّ يرتفع إليه من بعض الأعضاء، أو كيفيَّةٍ لاذعةٍ، فينقبض الدِّماغ لدفع المؤذي، فيتبعه تشنُّجٌ في جميع الأعضاء، ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبًا، بل يسقط، ويظهر في فيه الزَّبد غالبًا.
وهذه العلَّة تُعَدُّ من جملة الأمراض الحادَّة باعتبار وقت وجود المؤلم٢ خاصَّةً. وقد تعدُّ من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيَّما إن جاوز في السِّنِّ خمسًا وعشرين سنةً، وهذه العلَّةُ٣ في دماغه وخاصَّةً في جوهره، فإنَّ صرع هؤلاء يكون لازمًا. قال أبقراط: إنَّ الصَّرع يبقى فيهم إلى أن يموتوا.
إذا عُرِف هذا، فهذه المرأة الَّتي جاء الحديث أنَّها كانت تُصْرَع وتنكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النَّوع، فوعدها النَّبيُّ ﷺ الجنَّة بصبرها على هذا المرض، ودعا لها أن لا تنكشف وخيَّرها بين الصَّبر والجنَّة وبين الدُّعاء لها بالشِّفاء من غير ضمانٍ، فاختارت الصَّبر والجنَّة.
وفي ذلك دليلٌ على جواز ترك المعالجة والتَّداوي، وأنَّ علاج الأرواح
(١) كذا في جميع النسخ، وضُبط في بعضها بتشديد الميم. وفي كتاب الحموي: «نفوذًا تامًّا»، وكذا في مصدره «القانون».
(٢) في المطبوع: «وجوده المؤلم» وهو من تصرف طبعة عبد اللطيف. وفي كتاب الحموي: «وجود النوبة».
(٣) في كتاب الحموي و«القانون» (٢/ ١٢٢): «... سنةً لعلَّةٍ».