زاد المعاد

وقد روى الترمذي١ وغيره من حديث ابن عبَّاسٍ يرفعه: «إنَّ خير ما تداويتم به: السَّعوط، واللَّدود، والحجامة، والمَشِيُّ». المشيُّ هو الذي يمشِّي الطَّبع، ويليِّنه، ويسهِّل خروج الخارج.

فصل

في هديه ﷺ في علاج حِكَّة الجسم وما يولِّد القَمْل

في «الصَّحيحين»٢ من حديث قتادة عن أنس بن مالكٍ قال: رخَّص رسول الله ﷺ لعبد الرَّحمن بن عوفٍ والزُّبير بن العوَّام ﵄ في لُبْسِ الحرير لحِكَّةٍ كانت بهما.

وفي روايةٍ٣: أنَّ عبد الرَّحمن بن عوفٍ والزُّبير بن العوَّام ﵄ شَكَوَا القَمْلَ إلى النَّبيِّ٤ ﷺ في غزاةٍ لهما، فرخَّص لهما في قُمُص الحرير، ورأيته عليهما.

هذا الحديث يتعلَّق به أمران أحدهما فقهيٌّ، والآخر طبِّيٌّ.

فأمَّا الفقهيُّ، فالَّذي استقرَّت عليه سنَّته ﷺ: إباحة الحرير للنِّساء مطلقًا، وتحريمه على الرِّجال إلا لحاجةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ. فالحاجة إمَّا من شدَّة البرد ولا يجد غيره، أو لا يجد سترةً سواه. ومنها: لباسه للحرب٥

  1. (١) برقم (٢٠٥٣)، وقد تقدَّم تخريجه، وأنَّ إسناده ضعيفٌ جدًّا.
  2. (٢) البخاري (٥٨٣٩) ومسلم (٢٠٧٦).
  3. (٣) أخرجها الترمذي (١٧٢٢).
  4. (٤) د، ث: «رسول الله».
  5. (٥) في النسخ المطبوعة: «للجرب» بالجيم، تصحيف.
106

والمرض والحِكَّة وكثرة القَمْل، كما دلَّ عليه حديث أنس هذا الصَّحيح.

والجواز أصحُّ الرّوايتين عن الإمام أحمد، وأصحُّ قولي الشَّافعيِّ١؛ إذ الأصل عدم التَّخصيص. والرُّخصة إذا ثبتت في حقِّ بعض الأمَّة لمعنًى تعدَّت إلى كلِّ من وُجِد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعمُّ بعموم سببه.

ومن منع منه قال: أحاديث التَّحريم عامَّةٌ، وأحاديثُ الرُّخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرَّحمن والزبير، ويحتمل تعدِّيها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران كان الأخذ بالعموم أولى. ولهذا قال بعض الرُّواة في هذا الحديث٢: فلا أدري أبلغت الرُّخصةُ لغيرهما أم لا؟

والصَّحيح عموم الرُّخصة، فإنَّه عرفُ خطاب الشَّرع في ذلك، ما لم يصرِّح بالتَّخصيصِ وعدمِ إلحاق غيرِ مَن رخَّص له أوَّلًا٣ به، كقوله لأبي بردة: «تَجزيك ولن تَجزي عن أحدٍ بعدك»٤، وكقوله تعالى لنبيِّه ﷺ في نكاح من وهبت نفسها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].

وتحريم الحرير إنَّما كان سدًّا للذَّريعة، ولهذا أبيح للنِّساء وللحاجة

  1. (١) انظر: «المغني» (٢/ ٣٠٦) و«المجموع» (٤/ ٤٤٠) و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٨٢) و(٢٤/ ٢٧٦).
  2. (٢) لم أقف على هذا القول في هذا الحديث. وأخشى أن يكون المقصود قول أنس في حديث أبي بردة بن نيار الآتي ذكره: «لا أدري أبلغت الرخصة غيرَه أم لا» كما في «صحيح البخاري» (٦٦٧٣). وقد ورد فيه التخصيص في رواية أخرى كما ذكر المصنف في الفقرة الآتية.
  3. (٣) د، حط، ل، ن: «أولى».
  4. (٤) من حديث البراء، أخرجه البخاري (٥٥٤٥) ومسلم (١٩٦١) بنحوه.
107

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي