والمرض والحِكَّة وكثرة القَمْل، كما دلَّ عليه حديث أنس هذا الصَّحيح.
والجواز أصحُّ الرّوايتين عن الإمام أحمد، وأصحُّ قولي الشَّافعيِّ١؛ إذ الأصل عدم التَّخصيص. والرُّخصة إذا ثبتت في حقِّ بعض الأمَّة لمعنًى تعدَّت إلى كلِّ من وُجِد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعمُّ بعموم سببه.
ومن منع منه قال: أحاديث التَّحريم عامَّةٌ، وأحاديثُ الرُّخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرَّحمن والزبير، ويحتمل تعدِّيها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران كان الأخذ بالعموم أولى. ولهذا قال بعض الرُّواة في هذا الحديث٢: فلا أدري أبلغت الرُّخصةُ لغيرهما أم لا؟
والصَّحيح عموم الرُّخصة، فإنَّه عرفُ خطاب الشَّرع في ذلك، ما لم يصرِّح بالتَّخصيصِ وعدمِ إلحاق غيرِ مَن رخَّص له أوَّلًا٣ به، كقوله لأبي بردة: «تَجزيك ولن تَجزي عن أحدٍ بعدك»٤، وكقوله تعالى لنبيِّه ﷺ في نكاح من وهبت نفسها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأحزاب: ٥٠].
وتحريم الحرير إنَّما كان سدًّا للذَّريعة، ولهذا أبيح للنِّساء وللحاجة
(٢) لم أقف على هذا القول في هذا الحديث. وأخشى أن يكون المقصود قول أنس في حديث أبي بردة بن نيار الآتي ذكره: «لا أدري أبلغت الرخصة غيرَه أم لا» كما في «صحيح البخاري» (٦٦٧٣). وقد ورد فيه التخصيص في رواية أخرى كما ذكر المصنف في الفقرة الآتية.
(٣) د، حط، ل، ن: «أولى».
(٤) من حديث البراء، أخرجه البخاري (٥٥٤٥) ومسلم (١٩٦١) بنحوه.
وللمصلحة١ الرَّاجحة. وهذه قاعدة ما حُرِّم لسدِّ الذَّرائع: أنَّه يباح عند الحاجة والمصلحة الرَّاجحة، كما حُرِّم النَّظر سدًّا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الرَّاجحة. وكما حُرِّم التَّنفُّل بالصَّلاة في أوقات النَّهي سدًّا لذريعة المشابهة الصُّوريِّة بعبَّاد الشَّمس، وأبيحت للمصلحة الرَّاجحة. وكما حُرِّم ربا الفضل سدًّا لذريعة ربا النَّسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا٢. وقد أشبعنا الكلام فيما يحلُّ ويحرم من لباس الحرير في كتاب «التَّحبير٣ بما يحلُّ ويحرم من لباس الحرير»٤.
فصل٥
وأمَّا الأمر الطِّبِّيُّ، فهو أنَّ الحرير من الأدوية المتَّخذة من الحيوان، ولذلك يعدُّ في الأدوية الحيوانيَّة لأنَّ مخرجه من الحيوان. وهو كثير المنافع جليل الموقع. ومن خاصَّته٦ تقوية القلب، وتفريحُه، والنَّفعُ من كثيرٍ من أمراضه ومن غلبة المِرَّة السَّوداء والأدواء الحادثة عنها. وهو مقوٍّ للبصر إذا اكتحل به. والخام منه ــ وهو المستعمل في صناعة الطِّبِّ ــ حارٌّ يابسٌ في الدَّرجة الأولى. وقيل: حارٌّ رطبٌ فيها. وقيل: معتدلٌ. وإذا اتُّخذ منه ملبوسٌ
(١) د، حط، ن: «والمصلحة».
(٢) انظر: «أعلام الموقعين» (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٦).
(٣) د: «التخيير». وذكر في هامش الطبعة الهندية أن في نسخة: «التحرير» وكذلك وقع في «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٥/ ١٧٦) ..
(٤) وقد أشار المؤلف إلى هذا الكتاب من قبل (٣/ ٦٠٨) أيضًا.