وللمصلحة١ الرَّاجحة. وهذه قاعدة ما حُرِّم لسدِّ الذَّرائع: أنَّه يباح عند الحاجة والمصلحة الرَّاجحة، كما حُرِّم النَّظر سدًّا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الرَّاجحة. وكما حُرِّم التَّنفُّل بالصَّلاة في أوقات النَّهي سدًّا لذريعة المشابهة الصُّوريِّة بعبَّاد الشَّمس، وأبيحت للمصلحة الرَّاجحة. وكما حُرِّم ربا الفضل سدًّا لذريعة ربا النَّسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا٢. وقد أشبعنا الكلام فيما يحلُّ ويحرم من لباس الحرير في كتاب «التَّحبير٣ بما يحلُّ ويحرم من لباس الحرير»٤.
فصل٥
وأمَّا الأمر الطِّبِّيُّ، فهو أنَّ الحرير من الأدوية المتَّخذة من الحيوان، ولذلك يعدُّ في الأدوية الحيوانيَّة لأنَّ مخرجه من الحيوان. وهو كثير المنافع جليل الموقع. ومن خاصَّته٦ تقوية القلب، وتفريحُه، والنَّفعُ من كثيرٍ من أمراضه ومن غلبة المِرَّة السَّوداء والأدواء الحادثة عنها. وهو مقوٍّ للبصر إذا اكتحل به. والخام منه ــ وهو المستعمل في صناعة الطِّبِّ ــ حارٌّ يابسٌ في الدَّرجة الأولى. وقيل: حارٌّ رطبٌ فيها. وقيل: معتدلٌ. وإذا اتُّخذ منه ملبوسٌ
(١) د، حط، ن: «والمصلحة».
(٢) انظر: «أعلام الموقعين» (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٦).
(٣) د: «التخيير». وذكر في هامش الطبعة الهندية أن في نسخة: «التحرير» وكذلك وقع في «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٥/ ١٧٦) ..
(٤) وقد أشار المؤلف إلى هذا الكتاب من قبل (٣/ ٦٠٨) أيضًا.
(٥) كتاب الحموي (ص ١٤٢ - ١٤٤).
(٦) حط، ن: «خاصيته».
كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخِّنًا للبدن١، وربَّما برَّد البدنَ بتسمينه إيَّاه.
قال الرَّازيُّ٢: الإبريسَم أسخن من الكتَّان، وأبرد من القطن، يربِّي اللَّحم. وكلُّ لباسٍ خشنٍ فإنَّه يهزُل ويصلِّب البشرةَ، وبالعكس.
قلت: والملابس ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ يسخِّن البدن ويدفِّئه، وقسمٌ يدفِّئه ولا يسخِّنه، وقسمٌ لا يسخِّنه ولا يدفِّئه. وليس هناك ما يسخِّنه ولا يدفِّئه، إذ ما يسخِّنه فهو أولى بتدفئته. فملابس الأوبار والأصواف تسخِّن وتدفِّئ، وملابس الكتَّان والحرير والقطن تدفِّئ ولا تسخِّن. فثياب الكتَّان باردةٌ يابسةٌ، وثياب الصُّوف حارةٌ يابسةٌ، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقلُّ حرارةً منه.
قال صاحب «المنهاج»٣: ولبسُه لا يسخِّن كالقطن، بل هو معتدلٌ.
وكلُّ لباسٍ أملس صقيلٍ فإنَّه أقلُّ إسخانًا للبدن، وأقلُّ عونًا في تحلُّلِ ما يتحلَّل منه، وأحرى أن يُلبَس في الصَّيف وفي البلاد الحارَّة. ولمَّا كانت ثياب
(١) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة غير أن ناسخ ف كتب بعده: «ليس بمسخِّن له»، ثم ضُرب عليه لأنه ضدُّ قوله: «مسخنًا للبدن». والحق أن «مسخِّنًا»، تصحيف «مسمِّنًا»، والجملة المضروب عليها واقعة في محلِّها، كما في كتاب الحموي، والنقل منه بنصِّه.
(٢) لم أقف على المصدر الذي نقل منه الحموي قول الرازي.
(٣) هو ابن جزلة البغدادي (ت ٤٩٣). انظر كتابه «منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان» (ص ١١٥).