قال صاحب «القانون»٢: قد يعرض في الجنب٣ والصَّفَاقات والعَضَل الَّتي في الصَّدر٤ والأضلاع ونواحيها أورامٌ مؤذيةٌ جدًّا موجِعةٌ تسمَّى شَوْصَةً وبِرسامًا وذات الجنب. وقد تكون أيضًا أوجاعًا في هذه الأعضاء ليست من ورمٍ، ولكن من رياحٍ غليظةٍ، فيظنُّ أنَّها من هذه العلَّة، ولا تكون.
قال٥: واعلم أنَّ كلَّ وجعٍ في الجنب قد يسمَّى «ذات الجنب» اشتقاقًا من مكان الألم، لأنَّ معنى ذات الجنب: صاحبة الجنب. والغرض به هاهنا وجعُ الجنب، فإذا عرض في الجنب ألمٌ عن أيِّ سببٍ كان نُسِب إليه. وعليه حُمِل كلامُ بقراط٦ في قوله: إنَّ أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمَّام. قيل: المراد به كلُّ من به وجعُ جنبٍ أو وجعُ رئةٍ من سوء مزاجٍ، أو من أخلاطٍ غليظةٍ أو لذَّاعةٍ، من غير ورمٍ ولا حمَّى.
(١) حط: «فاحش»، تصحيف فاحش. وهو ساقط من ل. وفيها وفي ف، ث: «ممدود في الحقيقي» بسقوط الواو بعد «ممدود».
(٢) في «القانون» (٢/ ٣٤٠ - ٣٤١).
(٣) كذا في النسخ وكتاب الحموي. وفي «القانون»: «الحُجُب».
(٤) ما عدا ف، د: «الصدور». والمثبت موافق لما في كتاب الحموي و«القانون».
(٥) الكلام الآتي للحموي، لا لصاحب «القانون» كما توهم المؤلف.
(٦) د، ث، ل: ««أبقراط». وقد نقل الرازي (٢/ ١٠٦) قول بقراط من كتاب «الحمام» لحنين، والتفسير المذكور لقوله ذكره الحموي عن موسى بن ميمون القرطبي.
قال بعض الأطبَّاء١: وأمَّا معنى ذات الجنب في لغة اليونان، فهو ورم الجنب الحارُّ. وكذلك ورم كلِّ واحدٍ من الأعضاء٢ الباطنة. وإنَّما سمِّي ذاتَ الجنب ورمُ ذلك العضو إذا كان ورمًا حارًّا فقط.
والعلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم لكن للقسم الثَّاني الكائن عن الرِّيح الغليظة، فإنَّ القُسْط البحريَّ ــ وهو العود الهنديُّ على ما جاء مفسَّرًا في أحاديث أُخَر ــ صنفٌ من القُسْط إذا دُقَّ ناعمًا، وخُلِط بالزَّيت المسخَّن، ودُلِك به مكانُ الرِّيح المذكور أو لُعِقَ= كان دواءً موافقًا لذلك، نافعًا له، محلِّلًا لمادَّته، مُذْهِبًا لها، مقوِّيًا للأعضاء الباطنة، مفتِّحًا للسُّدَد. والعودُ المذكور في منافعه كذلك. قال المسيحي٤: العود حارٌّ يابسٌ قابضٌ
(٤) كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة. وفي مخطوطة كتاب الحموي (ق ٣٨/أ): «مسيح»، وهو الصواب. اسمه عيسى بن الحكم الدمشقي، كان حيًّا سنة ٢٢٥ هـ. قال ابن أبي أصيبعة: «وهو المشهور بمسيح، وهو صاحب الكناش الكبير الذي يُعرف به وينسب إليه». «عيون الأنباء» (٢/ ٣٠). وقد نقل منه الرازي كثيرًا، وابن سينا والبيروني في «الصيدنة» وابن البيطار في «المفردات». وفي طبعة الرسالة: «المسبحي» بالباء تبعًا للفقي الذي ضبطه بتشديد الباء المكسورة، ولكن الغريب أنها ترجمت له بأنه عيسى بن يحيى الجرجاني أبو سهل المتوفى سنة ٣٩٠. وهذا يعني أنها ترجمت للمسيحي لأن أبا سهل هذا كان يقال له «المسيحي». ولكن لم يكن هو وحده مسيحيًّا، فإن منهم أبا الخير المسيحي، وأبا نصر ابن المسيحي، وأبا الفرج المسيحي. ولا دليل على أن المراد هنا أبو سهل إذا فرضنا أن الصواب في المتن «المسيحي» دون «مسيح».