والحنَّاء إذا ألزمت به الأظفار معجونًا حسَّنها ونفَعها. وإذا عُجِن بالسَّمْن وضُمِّد به بقايا الأورام الحارَّة الَّتي ترشَح ماءً أصفر نفعَها، ونفَع من الجرَب المتقرِّح المُزْمِن منفعةً بليغةً. وهو يُنبت الشَّعرَ ويقوِّيه ويحسِّنه، ويقوِّي الرَّأس، وينفع من النَّفَّاطات١ والبثور العارضة في السَّاقين والرِّجلين وسائر البدن.
فصل
في هديه ﷺ في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يَكرهونه من الطَّعام والشَّراب وأنَّهم لا يُكرَهون على تناولهما
روى الترمذي في «جامعه» وابن ماجه٢ عن عُقْبة بن عامرٍ الجهنيِّ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُكْرِهُوا مرضاكم على الطَّعام والشَّراب، فإنَّ الله ﷿ يُطعِمهم ويسقيهم».
قال بعض فضلاء الأطبَّاء٣: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النَّبويَّة
(١) هي البثور المملوءة ماءً، وانظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٩٠).
(٢) «جامع التِّرمذيِّ» (٢٠٤٠)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٤٤). وأخرجه أيضًا أبو يعلى (١٧٤١)، والطَّبراني في «الكبير» (١٧/ ٢٩٣) و«الأوسط» (٦٢٧٢) والحاكم (١/ ٣٤٩). قال التِّرمذيُّ: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه». وله شواهد، وقد حسَّنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٤/ ٢٣٨)، والألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٧٢٧).
(٣) يعني: ابن طرخان الحموي. وهذه الفقرة والفقرات الثلاث التاليات التي بدأها بلفظ «اعلم» كلها منقولة من كتابه (ص ١١٢ - ١١٣). ثم هذه الفقرة أخذها الحموي من «الأربعين الطبية» لعبد اللطيف البغدادي (ص ١٠١) والفقرات الأخرى أيضًا بناها على كلامه، وفصَّل، وزاد.
المشتملة على حكمٍ إلهيَّةٍ، لا سيَّما للأطبَّاء ولمن يعالج المرضى١. وذلك أنَّ المريض إذا عافَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، فذلك لاشتغال الطَّبيعة بمجاهدة المرض، أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزيَّة أو خمودها٢. وكيفما كان فلا يجوز حينئذٍ إعطاء٣ الغذاء في هذه الحال.
واعلم أنَّ الجوع إنَّما هو طلب الأعضاء للغذاء لِتُخْلِفَ الطَّبيعةُ به عليها عوضَ ما تحلَّلَ منها، فتجذبُ الأعضاء القصوى من الأعضاء الدُّنيا حتَّى ينتهي الجذبُ إلى المعِدة، فيحسُّ الإنسان بالجوع، فيطلب الغذاء. فإذا وُجِد المرض اشتغلت الطَّبيعة بمادَّته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء أو الشَّراب. فإذا أُكرِه المريض على استعمال شيءٍ من ذلك تعطَّلت به الطَّبيعة عن فعلها، واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادَّة المرض ودفعه، فيكون ذلك سببًا لضرر المريض، ولا سيَّما في أوقات البَحارين٤ أو ضعفِ الحارِّ الغريزيِّ أو خموده، فيكون ذلك زيادةً في البليَّة وتعجيل النَّازلة المتوقَّعة. ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال إلا ما يَحفظ عليه قوَّتَه ويقوِّيها، من غير إشغال٥ مزعجٍ للطَّبيعة البتَّة. وذلك يكون بما لطُف قِوامُه من الأشربة
(١) الحموي: «للأطباء ولخدم المرضى».
(٢) س، ن: «جمودها»، تصحيف.
(٣) س: «إعطاؤه»، وكذا في «الأربعين الطبية».
(٤) جمع البُحران، وقد سبق تفسيره (ص ٤٠).
(٥) في ف بالعين المهملة المفتوحة، ولعله تصحيف ما أثبت من مخطوطة كتاب الحموي. وفي النسخ الأخرى ما عدا حط، ن: «اشتغال». وفي حط، ن: «استعمال»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهذا تصحيف.