زاد المعاد

المشتملة على حكمٍ إلهيَّةٍ، لا سيَّما للأطبَّاء ولمن يعالج المرضى١. وذلك أنَّ المريض إذا عافَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، فذلك لاشتغال الطَّبيعة بمجاهدة المرض، أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزيَّة أو خمودها٢. وكيفما كان فلا يجوز حينئذٍ إعطاء٣ الغذاء في هذه الحال.

واعلم أنَّ الجوع إنَّما هو طلب الأعضاء للغذاء لِتُخْلِفَ الطَّبيعةُ به عليها عوضَ ما تحلَّلَ منها، فتجذبُ الأعضاء القصوى من الأعضاء الدُّنيا حتَّى ينتهي الجذبُ إلى المعِدة، فيحسُّ الإنسان بالجوع، فيطلب الغذاء. فإذا وُجِد المرض اشتغلت الطَّبيعة بمادَّته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء أو الشَّراب. فإذا أُكرِه المريض على استعمال شيءٍ من ذلك تعطَّلت به الطَّبيعة عن فعلها، واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادَّة المرض ودفعه، فيكون ذلك سببًا لضرر المريض، ولا سيَّما في أوقات البَحارين٤ أو ضعفِ الحارِّ الغريزيِّ أو خموده، فيكون ذلك زيادةً في البليَّة وتعجيل النَّازلة المتوقَّعة. ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال إلا ما يَحفظ عليه قوَّتَه ويقوِّيها، من غير إشغال٥ مزعجٍ للطَّبيعة البتَّة. وذلك يكون بما لطُف قِوامُه من الأشربة

  1. (١) الحموي: «للأطباء ولخدم المرضى».
  2. (٢) س، ن: «جمودها»، تصحيف.
  3. (٣) س: «إعطاؤه»، وكذا في «الأربعين الطبية».
  4. (٤) جمع البُحران، وقد سبق تفسيره (ص ٤٠).
  5. (٥) في ف بالعين المهملة المفتوحة، ولعله تصحيف ما أثبت من مخطوطة كتاب الحموي. وفي النسخ الأخرى ما عدا حط، ن: «اشتغال». وفي حط، ن: «استعمال»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهذا تصحيف.
126

والأغذية واعتدل مزاجُه كشراب النَّوفَر١ والتُّفَّاح والورد الطَّريِّ وما أشبه ذلك، ومن الأغذية أمْراق الفراريج المعتدلة٢

المطيَّبة٣ فقط. وإنعاش قواه بالأراييح العطِرة الموافقة والأخبار السَّارَّة، فإنَّ الطَّبيب خادم الطَّبيعة ومُعِينها لا مُعِيقها.

واعلم أنَّ الدَّم الجيِّد هو المغذِّي للبدن، وأنَّ البلغم دمٌ فِجٌّ قد نضِج بعضَ النُّضج، فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغمٌ كثيرٌ وعَدِمَ الغذاءَ عطَفت الطَّبيعةُ عليه، وطبخته وأنضجته، وصيَّرته دمًا، وغذَّت به الأعضاءَ، واكتفت به عمَّا سواه، والطَّبيعة هي القوَّة الَّتي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحَّته وحراسته مدَّة حياته.

واعلم أنَّه قد يحتاج في النُّدرة٤ إلى إجبار المريض على الطَّعام والشَّراب، وذلك في الأمراض الَّتي يكون معها اختلاط العقل٥. وعلى هذا فيكون الحديث من العامِّ المخصوص، أو من المطلق الذي قد دلَّ على

  1. (١) حط، ن: «اللينوفر»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي الهندية: «النيلوفر». في «المصباح المنير» أنه بكسر النون وضم اللام، ومنهم من يفتح النون مع ضمِّ اللام. وضبطه صاحب «التاج» (١٤/ ٢٧٢) بفتح النون واللام والفاء، وقال: ويقوله العوامُّ: «النَّوفَر» كجَوهر. وهذا هو الوارد في معظم النسخ ومخطوطة الأحمدية من كتاب الحموي كما ذكر ناشره. وفي نسخة راغب باشا (٢٥/أ): «النيلوفر».
  2. (٢) هي صفة الأمراق. وفي مخطوطة كتاب الحموي: «المعدَّلة»، وهو أشبه ..
  3. (٣) ث: «الطيبة»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي حط، ن: «الطبيعة»، وكذا في الهندية. وكلاهما تصحيف.
  4. (٤) د، ل، ز: «البدرة»، وفي س: «البدن»، وكلاهما تصحيف.
  5. (٥) هنا انتهى النقل من كتاب الحموي.
127

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي