والأغذية واعتدل مزاجُه كشراب النَّوفَر١ والتُّفَّاح والورد الطَّريِّ وما أشبه ذلك، ومن الأغذية أمْراق الفراريج المعتدلة٢
المطيَّبة٣ فقط. وإنعاش قواه بالأراييح العطِرة الموافقة والأخبار السَّارَّة، فإنَّ الطَّبيب خادم الطَّبيعة ومُعِينها لا مُعِيقها.
واعلم أنَّ الدَّم الجيِّد هو المغذِّي للبدن، وأنَّ البلغم دمٌ فِجٌّ قد نضِج بعضَ النُّضج، فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغمٌ كثيرٌ وعَدِمَ الغذاءَ عطَفت الطَّبيعةُ عليه، وطبخته وأنضجته، وصيَّرته دمًا، وغذَّت به الأعضاءَ، واكتفت به عمَّا سواه، والطَّبيعة هي القوَّة الَّتي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحَّته وحراسته مدَّة حياته.
واعلم أنَّه قد يحتاج في النُّدرة٤ إلى إجبار المريض على الطَّعام والشَّراب، وذلك في الأمراض الَّتي يكون معها اختلاط العقل٥. وعلى هذا فيكون الحديث من العامِّ المخصوص، أو من المطلق الذي قد دلَّ على
(١) حط، ن: «اللينوفر»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي الهندية: «النيلوفر». في «المصباح المنير» أنه بكسر النون وضم اللام، ومنهم من يفتح النون مع ضمِّ اللام. وضبطه صاحب «التاج» (١٤/ ٢٧٢) بفتح النون واللام والفاء، وقال: ويقوله العوامُّ: «النَّوفَر» كجَوهر. وهذا هو الوارد في معظم النسخ ومخطوطة الأحمدية من كتاب الحموي كما ذكر ناشره. وفي نسخة راغب باشا (٢٥/أ): «النيلوفر».
(٢) هي صفة الأمراق. وفي مخطوطة كتاب الحموي: «المعدَّلة»، وهو أشبه ..
(٣) ث: «الطيبة»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي حط، ن: «الطبيعة»، وكذا في الهندية. وكلاهما تصحيف.
(٤) د، ل، ز: «البدرة»، وفي س: «البدن»، وكلاهما تصحيف.
(٥) هنا انتهى النقل من كتاب الحموي.
تقييده دليلٌ. ومعنى الحديث أنَّ المريض قد يعيش بلا غذاءٍ أيَّامًا لا يعيش الصَّحيحُ في مثلها١.
وفي قوله ﷺ: «فإنَّ الله يطعمهم ويسقيهم» معنًى لطيفٌ زائدٌ على ما ذكره الأطبَّاء، لا يعرفه إلا من له عنايةٌ بأحكام القلوب والأرواح، وتأثيرِها في طبيعة البدن وانفعالِ الطَّبيعة عنها، كما تنفعل هي كثيرًا عن الطَّبيعة. ونحن نشير إليه إشارةً، فنقول:
النَّفس إذا حصل لها ما يشغلها من محبوبٍ أو مكروهٍ أو مخُوفٍ اشتغلت به عن طلب الغذاء والشَّراب، فلا تحسُّ بجوعٍ ولا عطشٍ، بل ولا حرٍّ ولا بردٍ، بل تشتغل به عن الإحساس بالمؤلم الشَّديد الألم فلا تحسُّ به. وما من أحدٍ إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئًا منه. وإذا اشتغلت النَّفس بما دهَمَها وورد عليها لم تحسَّ بألم الجوع.
فإن كان الوارد مفرِّحًا قويَّ التَّفريح قام لها مقامَ الغذاء، فشبِعت به، وانتعشت قواها وتضاعفت، وجرت الدَّمويَّةُ في الجسد حتَّى تظهر في سطحه، فيشرق وجهه، وتظهر دمويَّتُه. فإنَّ الفرح يوجب انبساطَ دم القلب، فينبعث في العروق فتمتلئ به، فلا تطلب الأعضاءُ٢ معلومَها٣ من الغذاء المعتاد،
(١) وللموفق عبد اللطيف البغدادي كلام نفيس على قول النبي ﷺ: «إذا اشتهى مريض أحدكم شيئًا فليطعمه» أخرجه ابن ماجه (١٤٣٩) من حديث ابن عباس. انظر: «الأربعين الطبية» (ص ١٠٢ - ١٠٣).
(٢) «يوجب الانبساط ... الأعضاء» ساقط من د.
(٣) لم تعجب كلمة «معلوم» الشيخ الفقي، فأثبت «حظَّها»، وقلَّدته طبعة الرسالة دون أصلها.