حصل له من الأغذية القلبيَّة ما تقوى به قوى طبيعته، وتنتعش به قواه أعظم من قوَّتها وانتعاشها بالأغذية البدنيَّة. وكلَّما قوي إيمانُه وحبُّه لربِّه وأنسُه به وفرحُه به، وقوي يقينه بربِّه، واشتدَّ شوقه إليه ورضاه به وعنه= وجد في نفسه من هذه القوَّة ما لا يعبَّر عنه، ولا يدركه وصفُ طبيبٍ، ولا يناله علمُه.
ومن غلُظ طبعُه وكثُفت نفسُه عن فهم هذا والتَّصديق به، فلينظر حال كثيرٍ من عشَّاق الصُّور الذين قد امتلأت قلوبهم بحبِّ ما يعشقونه من صورةٍ أو جاهٍ أو مالٍ أو علمٍ. وقد شاهد النَّاس من هذا عجائبَ في أنفسهم وفي غيرهم.
وقد ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يواصل في الصِّيام الأيَّامَ ذواتِ العدد، وينهى أصحابه عن الوصال، ويقول: «لست كهيئتكم، إنِّي أظَلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني»١. ومعلومٌ أنَّ هذا الطَّعام والشَّراب ليس هو الطَّعام الذي يأكله الإنسان بفمه، وإلَّا لم يكن مواصلًا، ولم يتحقَّق الفرق، بل لم يكن صائمًا، فإنَّه قال: «أظَلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني».
وأيضًا فإنَّه فرَّق بينه وبينهم في نفس الوصال، وأنَّه يقدر منه على ما لا يقدرون عليه. فلو كان يأكل ويشرب بفمه لم يقل: «لستُ كهيئتكم». وإنَّما فهِمَ هذا من الحديث مَن قلَّ نصيبُه من غذاء الأرواح والقلوب وتأثيرِه في القوَّة وإنعاشها واعتنائها٢ به فوق تأثير الغذاء الجسمانيِّ. والله الموفِّق.
(١) أخرجه البخاري (٧٢٤١) ومسلم (١١٠٤) من حديث أنس ﵁. ولفظ «لست كهيئتكم» في حديث عائشة وابن عمر ﵃ عند البخاري (١٩٦٤، ١٩٢٢) ومسلم (١١٠٥، ١١٠٢).
(٢) هكذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «واغتذائها».
فصل
في هديه ﷺ في علاج العُذْرة وفي العلاج بالسَّعوط١
ثبت عنه في «الصَّحيحين»٢ أنَّه قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة والقُسْط البحريِّ. ولا تعذِّبوا صبيانكم بالغمز من العُذْرة».
وفي «السُّنن» و«المسند»٣ عنه من حديث جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها صبيٌّ يسيل مِنخَراه دمًا فقال: «ما هذا؟». فقالوا: به العُذْرة أو وجعٌ في رأسه. فقال: «ويلكنَّ لا تقتلن أولادكنَّ٤. أيُّما امرأةٍ أصاب ولدها عُذْرةٌ أو وجعٌ في رأسه فلتأخذ قُسْطًا هنديًّا فلتحُكَّه بماءٍ، ثمَّ تُسْعِطْه إيَّاه». فأمرت عائشة، فصُنِع ذلك بالصَّبيِّ، فبرأ٥.
(١) كتاب الحموي (ص ١٦٤، ١٧٣ - ١٧٤، ٢٧٨).
(٢) البخاري (٥٦٩٦) ومسلم (١٥٧٧) والحديث منقول من كتاب الحموي (ص ١٦٤).
(٣) «سنن النَّسائيِّ الكبرى» (٧٥٤٠)، «مسند أحمد» (١٤٣٨٥). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٣٤٣٧)، والبزَّار (٣٠٢٤ ــ كشف الأستار)، وأبو يعلى (١٩١٢، ٢٠٠٩، ٢٢٨٠)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٢٤٧، ٢٤٨، ٣٤٠ - ٣٤٣)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦، ٤٠٦)، والضِّياء المقدسيُّ في «الأمراض والكفَّارات» (٥٤)، وحسَّن إسناده ابن الملقِّن في «التَّوضيح» (٢٧/ ٣٧٠)، والبوصيريُّ في «الإتحاف» (٤/ ٤٤٧)، وابن حجر في «المطالب العالية» (٢٤٤١). وفي الباب عن أنس وأم قيس بنت محصن وعائشة ﵂.
(٤) ما عدا س، حط، ن: «أولادكم». وفي ث، ل: «ويلكم» أيضًا بضمير المخاطبين.
(٥) الحديث بهذا اللفظ منقول من كتاب الحموي (ص ١٧٤).