روى أبو داود في «سننه»١ من حديث مجاهد عن سعد قال: مرضتُ مرضًا، فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثدييَّ حتَّى وجدتُ بردَها على فؤادي، وقال لي: «إنَّك رجلٌ مفؤودٌ، فأتِ الحارثَ بن كَلَدة من ثقيفٍ، فإنَّه رجلٌ يتطبَّب، فليأخذ سبعَ تمراتٍ من عَجْوة المدينة، فليجَأْهنَّ بنواهنَّ، ثمَّ ليَلُدَّك بهنَّ».
المفؤود: الذي أصيب فؤاده فهو يشتكيه، كالمبطون الذي يشتكي بطنه. واللَّدود: ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم.
وفي التَّمر خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ لهذا الدَّاء، ولا سيَّما تمر المدينة، ولا سيَّما العَجْوة منه. وفي كونها سبعًا خاصِّيَّةٌ أخرى تُدْرَك بالوحي. وفي «الصَّحيحين»٢: من حديث عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصبَّح بسبع تمراتٍ من تمر العالية لم يضُرَّه ذلك اليومَ
(١) برقم (٣٨٧٥) وسكت عنه. وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطَّبقات» (٣/ ١٤٦)، والطَّبرانيُّ في «الكبير» (٦/ ٥٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٧، ٣٥٩). وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (١٠٥٠)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٦ - ٨٣٧) و«الوسطى» (٤/ ٢٣١)، وتعقَّبه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٢/ ٥٥٩، ٥٦٠) بأنَّ مجاهدًا لم يسمع من سعدٍ، فالإسناد منقطع. وينظر: «الأحاديث الواردة في فضائل المدينة» (٣٧٣).
(٢) البخاري (٥٤٤٥) ومسلم (٢٠٤٧)، وفي كليهما: «... تمرات عجوة». و«من تمر العالية» زيادة في رواية أبي ضمرة كما في «الفتح» (١٠/ ٢٣٩). والنقل من كتاب الحموي (ص ١٨٦).
سَمٌّ ولا سحرٌ».
وفي لفظٍ١: «من أكل سبع تمراتٍ ممَّا بين لابتيها حين يصبح لم يضرَّه سَمٌّ حتَّى يمسي».
والتَّمر حارٌّ في الثَّانية، يابسٌ في الأولى. وقيل: رطبٌ فيها. وقيل: معتدلٌ. وهو غذاءٌ فاضلٌ حافظٌ للصِّحَّة لا سيَّما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم. وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارَّة الَّتي حرارتها في الدَّرجة الثَّانية، وهو لهم أنفع منه لأهل البلاد الباردة، لبرودة بواطن٢ سكَّانها وحرارة بواطن سكَّان البلاد الباردة٣. ولذلك يُكثِر أهلُ الحجاز واليمن والطَّائف وما يليهم من البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارَّة ما لا يتأتَّى لغيرهم كالتَّمر والعسل٤.
وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفُلْفُل والزَّنجبيل فوق ما يضعه غيرُهم نحو عشرة أضعافٍ أو أكثر. ويأكلون الزَّنجبيل كما يأكل غيرُهم الحلواء٥. ولقد شاهدتُ من يتنقَّل به منهم كما يتنقَّل بالنقْل، ويوافقهم ذلك ولا يضرُّهم لبرودة أجوافهم وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد، كما نشاهد مياه الآبار تبرُد في الصَّيف وتسخُن في الشِّتاء. وكذلك تُنضِج المعدة من الأغذية الغليظة في الشِّتاء ما لا تُنضِجه في الصَّيف.