وفي لفظٍ١: «من أكل سبع تمراتٍ ممَّا بين لابتيها حين يصبح لم يضرَّه سَمٌّ حتَّى يمسي».
والتَّمر حارٌّ في الثَّانية، يابسٌ في الأولى. وقيل: رطبٌ فيها. وقيل: معتدلٌ. وهو غذاءٌ فاضلٌ حافظٌ للصِّحَّة لا سيَّما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم. وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارَّة الَّتي حرارتها في الدَّرجة الثَّانية، وهو لهم أنفع منه لأهل البلاد الباردة، لبرودة بواطن٢ سكَّانها وحرارة بواطن سكَّان البلاد الباردة٣. ولذلك يُكثِر أهلُ الحجاز واليمن والطَّائف وما يليهم من البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارَّة ما لا يتأتَّى لغيرهم كالتَّمر والعسل٤.
وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفُلْفُل والزَّنجبيل فوق ما يضعه غيرُهم نحو عشرة أضعافٍ أو أكثر. ويأكلون الزَّنجبيل كما يأكل غيرُهم الحلواء٥. ولقد شاهدتُ من يتنقَّل به منهم كما يتنقَّل بالنقْل، ويوافقهم ذلك ولا يضرُّهم لبرودة أجوافهم وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد، كما نشاهد مياه الآبار تبرُد في الصَّيف وتسخُن في الشِّتاء. وكذلك تُنضِج المعدة من الأغذية الغليظة في الشِّتاء ما لا تُنضِجه في الصَّيف.
(٥) في الأصل (ف) مدَّة على الألف. وفي ل، ن بالألف المقصورة، وفي حط: «الحلو».
وأمَّا أهل المدينة، فالتَّمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو قوتهم ومادَّتهم. وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم، فإنَّه متين الجسم لذيذ الطَّعم صادق الحلاوة.
والتَّمر يدخل في الأدوية والأغذية والفاكهة. وهو يوافق أكثر الأبدان، مقوٍّ للحارِّ الغريزيِّ، ولا يتولَّد عنه من الفضلات الرَّديئة ما يتولَّد عن غيره من الأغذية والفاكهة؛ بل يمنع لمن اعتاده من تعفُّن الأخلاط وفسادها.
وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاصُّ كأهل المدينة ومن جاورهم. ولا ريب أنَّ للأمكنة اختصاصًا بنفع كثيرٍ من الأدوية في ذلك المكان دون غيره، فيكون الدَّواءُ الذي ينبت١ في هذا المكان نافعًا من الدَّاء، ولا يوجد فيه ذلك النَّفع إذا نبت في مكانٍ غيره، لتأثير نفس التُّربة أو الهواء أو هما٢ جميعًا؛ فإنَّ في الأرض خواصَّ وطبائعَ يقارب اختلافها اختلافَ طبائع الإنسان. وكثيرٌ من النَّبات يكون في بعض البلاد غذاءً مأكولًا، وفي بعضها سَمًّا قاتلًا. وربَّ أدويةٍ لقومٍ أغذيةٌ لآخرين، وأدويةٍ لقومٍ من أمراضٍ هي أدويةٌ لآخرين في أمراضٍ سواها، وأدويةٍ لأهل بلدٍ لا تناسب غيرهم ولا تنفعهم٣.
وأمَّا خاصِّيَّة السَّبع فإنَّها قد وقعت قدرًا وشرعًا. فخلق الله ﷿
(١) ل: «نبت». ث: «ثبت». وكأن في ف: «يثبت». وفي ن: «قد ينبت» وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب في العربية أن يقال: «أو لتأثيرهما». ولو قال: «أو كليهما» لاستقام الكلام.