شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ، ثمَّ هَرِمٌ إلى منتهى العمر١. والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد، هل هو لهذا المعنى أو لغيره؟
ونفعُ هذا العدد من هذا التَّمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السَّمِّ والسِّحر بحيث يمنع إصابتَه: من الخواصِّ الَّتي لو قالها أبقراط٢ وجالينوس وغيرهما من الأطبَّاء لتلقَّاها عنهم الأطبَّاء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أنَّ القائل إنَّما معه الحدس والتَّخمين والظَّنُّ. فمَن كلامُه كلُّه يقينٌ وقطعٌ وبرهانٌ ووحيٌ أولى أن تُتَلقَّى أقوالُه بالقبول والتَّسليم وترك الاعتراض. وأدوية السُّموم تارةً تكون بالكيفيَّة، وتارةً تكون بالخاصِّيَّة كخواصِّ كثيرٍ من الأحجار والجواهر واليواقيت٣. والله أعلم.
فصل
ويجوز نفع التَّمر المذكور في بعض السُّموم، فيكون الحديث من العامِّ المخصوص. ويجوز نفعه بخاصِّيِّة تلك البلد٤ وتلك التُّربة الخاصَّة من كلِّ سمٍّ.
(١) كذا في جميع النسخ، والأسنان المذكورة ستة فقط، وجاء في الطبعة الهندية وغيرها بعد «أربع عشرة»: «ثم مراهق». ولعل الزيادة كانت في النسخة التي اعتمدت عليها الطبعة الهندية. وفي «تكملة المجموع شرح المهذب» (١٥/ ٤٦٦): «... إلى السابعة طفل، ثم إلى العاشرة صبي، ثم إلى الخامسة عشرة يافع، ثم على الثلاثين شاب أو فتى» ثم ذكر الكهل والشيخ والهرم. ويتبين من هذا أن الفائت في النص ذكر اليافع. ولم أقف على مصدر المؤلف فيما نقله.
(٢) ف، ن: «بقراط».
(٣) انظر هذا المعنى في كتاب الحموي (ص ١٨٧).
(٤) يعني المدينة أو الأرض. وفي س، ث، ل: «البلدة».
ولكن هاهنا أمرٌ لا بدَّ من بيانه، وهو أنَّ من شرط انتفاع العليل بالدَّواء قبولَه واعتقادَ النَّفع به، فتقبله الطَّبيعة، فتستعين به على دفع العلَّة؛ حتَّى إنَّ كثيرًا من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التَّلقِّي، وقد شاهد النَّاس من ذلك عجائب. وهذا لأنَّ الطَّبيعة يشتدُّ قبولُها له، وتفرح النَّفس به، فتنتعش القوَّة، ويقوى سلطانُ الطَّبيعة، وينبعث الحارُّ الغريزيّ، فيتساعد١ على دفع المؤذي. وبالعكس يكون كثيرٌ من الأدوية نافعًا لتلك العلَّة، فيقطع عملَه سوءُ اعتقاد العليل فيه وعدمُ أخذ الطَّبيعة له بالقبول، فلا يجدي عليها شيئًا.
واعتبِرْ هذا بأعظم الأدوية والأشفية، وأنفعِها للقلوب والأبدان والمعاش والمعاد والدُّنيا والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاءٌ من كلِّ داءٍ: كيف لا ينفع القلوبَ الَّتي لا تعتقد فيه الشِّفاءَ والنَّفعَ، بل لا يزيدها إلا مرضًا إلى مرضها! وليس لشفاء القلوب قطُّ دواءٌ٢ أنفعُ من القرآن، فإنَّه شفاؤها التَّامُّ الكامل الذي لا يغادر فيها سقمًا إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحَّتها المطلقة٣، ويحميها الحِمْيَةَ التَّامَّة من كلِّ مؤذٍ ومضرٍّ. ومع هذا فإعراضُ أكثر القلوب عنه، وعدمُ اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنَّه كذلك، وعدمُ استعماله، والعدولُ إلى الأدوية الَّتي ركَّبها بنو جنسها= حال بينها وبين الشِّفاء به. وغلبت العوائد، واشتدَّ الإعراض، وتمكَّنت العلل والأدواء
(١) كذا في الأصل وغيره. وفي حط: «تتساعد». وفي ن: «يساعد»، وكذا في النسخ المطبوعة.