الرُّطب: حارٌّ رطبٌ في الثَّانية. يقوِّي المعدة الباردة ويوافقها، ويزيد في الباءة١، ولكنَّه سريع التَّعفُّن. معطِّشٌ، معكِّرٌ للدَّم، مصدِّعٌ، مولِّدٌ للسُّدد ووجع المثانة، مضرٌّ بالأسنان. والقثَّاء باردٌ رطبٌ في الثَّانية٢، مسكِّنٌ للعطش، منعشٌ للقوى بشمِّه لما فيه من العطريَّة، مُطْفٍ٣ لحرارة المعدة الملتهبة. وإذا جفِّف بزرُه، ودُقَّ، واستُحلب بالماء، وشُرِبَ= سكَّن العطشَ، وأدرَّ البولَ، ونفَع من وجع المثانة. وإذا دُقَّ ونُخِل ودُلِك به الأسنان جلاها. وإذا دُقَّ ورقُه وعُمِل منه ضِمادٌ مع المَيْبُخْتَج٤ نفَع من عضَّة الكلْب الكلِب.
وبالجملة فهذا حارٌّ، وهذا باردٌ. وفي كلٍّ منهما إصلاحٌ للآخر، وإزالةٌ لأكثر ضرره، ومقاومةُ كلِّ كيفيَّةٍ بضدِّها، ودفعُ سَورتها بالأخرى. وهذا أصل العلاج كلِّه. وهو أصلٌ في حفظ الصِّحَّة، بل علم الطِّبِّ كلُّه يستفاد من هذا.
(١) ما عدا ف، ن: «الباه»، وكلاهما صحيح.
(٢) س: «الثالثة».
(٣) كذا في جميع النسخ ومخطوط كتاب الحموي (٥٢/ب). وفي مطبوعه: «ملطِّف».
(٤) هو رُبُّ العنب. قال الجوهري في تفسير «الطِّلاء»: ما طُبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وتسمِّيه العجم «المَيْبُخْتَج». وقد ضبط في المطبوع من «الصحاح» بفتح الباء، ولكن رأيت في عدة نسخ منه بضم الباء كما في الفارسية، والميم تفتح وتكسر. وهو مركب من «مَيْ» بمعنى العصير و«بُخْتَج» بالباء الفارسية بمعنى المطبوخ. وعرِّب بالفاء أيضًا: الميفختج. ويذكره الرازي وابن سينا على الوجهين، وإن كان الوجه الأول أكثر. وانظر: «المعتمد» للملك المظفر (ص ٥١١) والضبط فيه بفتح الباء.
وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاحٌ لها وتعديلٌ ودفعٌ لما فيها من الكيفيَّات المضرَّة بما يقابلها. وفي ذلك عونٌ على صحَّة البدن وقوَّته وخصبه. قالت عائشة ﵂: سمَّنوني بكلِّ شيءٍ فلم أسمَنْ، فسمَّنوني بالقثَّاء والرُّطب، فسَمِنتُ١.
وبالجملة: فدفعُ ضرر البارد بالحارِّ، والحارِّ بالبارد، والرَّطْب باليابس، واليابس بالرَّطب، وتعديلُ أحدهما بالآخر= من أبلغ أنواع العلاجات وحفظ الصِّحَّة. ونظير هذا ما تقدَّم من أمره بالسَّنا والسَّنُّوت وهو العسل الذي فيه شيءٌ من السَّمن يُصلَح به السَّنا ويعدِّله. فصلوات الله وسلامه على من بُعِث بعمارة القلوب والأبدان وبمصالح الدُّنيا والآخرة.
فصل
في هديه ﷺ في الحِمْية٢
الدِّين٣ كلُّه شيئان: حِمْيةٌ، وحفظُ صحَّة. فإذا وقع التَّخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق. وكذلك مدار الطِّبِّ كلِّه على هذه القواعد الثَّلاثة. والحِمْية: حِمْيتان: حميةٌ عمَّا يجلب المرض، وحميةٌ عمَّا يزيده فيقف على
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٠٣)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٦٩١)، وابن ماجه (٣٣٢٤)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٣٠٢٢)، والبزَّار (١٨/ ١٠٥ - ١٠٦)، وأبو يعلى (٤٥٥٨)، والطَّبراني في «الكبير» (٢٣/ ٢٧) واللَّفظ له. وفي إسناده اختلاف، وصحَّحه الحاكم (٢/ ١٨٦)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ١٢٣).
(٢) س: «بالحمية». و«في» ساقط من د.
(٣) في النسخ المطبوعة: «الدواء»، وهو تحريف شنيع من ناسخ أو ناشر. ولم ترجع طبعة الرسالة هنا أيضًا إلى أصلها.