حاله. فالأولى١: حمية الأصحَّاء. والثَّانية: حمية المرضى، فإنَّ المريض إذا احتمى وقف مرضُه عن التَّزايد، وأخذت القوى في دفعه.
والأصل في الحمية: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾٢[النساء: ٤٣]. فحمى المريض من استعمال الماء، لأنَّه يضرُّه.
وفي «سنن ابن ماجه»٣ وغيره عن أمِّ المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ، ومعه عليٌّ، وعليٌّ ناقهٌ من مرضٍ، ولنا دوالٍ٤ معلَّقةٌ. فقام النبي ﷺ يأكل منها، وقام عليٌّ يأكل منها. فطفق رسول الله ﷺ يقول لعلي: «إنَّك ناقهٌ» حتَّى كفَّ. قالت: وصنعتُ شعيرًا وسِلْقًا، فجئتُ به، فقال النَّبيُّ ﷺ لعلي: «من هذا أصِبْ، فإنَّه أنفع لك». وفي لفظٍ٥: فقال: «من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفَق لك».
(١) ف، د: «فالأول».
(٢) قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ استدرك في هامش ف، ز ولم يستدرك في د.
(٣) برقم (٣٤٤٢). وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٥٦)، والتِّرمذيُّ (٢٠٣٧)، وأحمد (٢٧٠٥١ - ٢٧٠٥٣). تفرَّد به فليح بن سليمان، واختُلِف عليه. وقال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥، ٤٠٧)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٣)، والألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٩).
(٤) سيأتي تفسيره في (ص ١٤٨).
(٥) للترمذي (٢٠٣٧) وغيره.
وفي «سنن ابن ماجه»١ أيضًا عن صهيب قال: قدمت على النَّبيِّ ﷺ وبين يديه خبزٌ وتمرٌ، فقال: «ادنُ فكُلْ» فأخذتُ تمرًا، فأكلت، فقال: «أتأكل تمرًا وبك رمدٌ؟». فقلت: يا رسول الله أمضُغ من النَّاحية الأخرى. فتبسَّم رسول الله ﷺ.
وفي حديثٍ محفوظٍ عنه ﷺ: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدُّنيا٢، كما يحمي أحدكم مريضَه عن الطَّعام والشَّراب»٣. وفي لفظٍ: «إنَّ الله يحمي عبده المؤمن الدُّنيا٤»٥.
(١) برقم (٣٤٤٣). وأخرجه أيضًا أحمد (١٦٥٩١، ٢٣١٨٠)، والبزَّار (٢٠٩٥)، والطَّبراني في «الكبير» (٨/ ٤١)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٧٥، ٢٧٦، ٧٠٤). وصحَّحه الحاكم (٣/ ٣٩٩، ٤/ ٤١١)، والضِّياء في «المختارة» (٨/ ٦٨ - ٦٩)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٥١)، إلَّا أنَّ في إسناده اختلافًا، وفيه من لم يوثِّقه سوى ابن حبَّان، وقد ضعَّفه النَّووي في «المجموع» (٩/ ٦٤)، وحسَّنه الزَّيلعيُّ في «تخريج أحاديث الكشَّاف» (٣/ ١٤)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٣)، والعراقي في «المغني» (١٢٧٠).
(٢) ث: «من الدنيا»، وكذا في المطبوع.
(٣) أخرجه التِّرمذي (٢٠٣٦)، والبخاري في «التَّاريخ الكبير» (٧/ ١٨٥)، وابن أبي الدُّنيا في «الزُّهد» (٣٨)، وابن أبي عاصم في «الزُّهد» (١٩٠، ١٩١)، والطَّبري في «التَّهذيب» (١/ ٢٨٨ ــ مسند ابن عبَّاس)، وغيرهم من طريق محمود بن لَبِيد عن قتادة بن النُّعمان ﵁ به، وفيه: «الماء» بدل: «الطَّعام والشَّراب». واختُلف في إسنادِه، وقال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٦٩)، والحاكم (٤/ ٢٠٧، ٣٠٩)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٣). وينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٨٢٠).
(٤) ث، ل: «من الدنيا»، وكذا في المطبوع.
(٥) أخرجه التِّرمذي عقِب حديث (٢٠٣٦)، وأحمد (٢٣٦٢٢، ٢٣٦٢٧، ٢٣٦٣٢)، عن محمود بن لَبِيد ﵁ به. وقد جعله بعضُهم من حديث محمودٍ عن أبي سعيد الخدريِّ ﵁، وبعضُهم جعله من حديثه عن عقبة بن رافع ﵁، وبعضهم مِن حديثه عن رافع بن خديج ﵁، وبعضهم مِن حديثه عن قتادة بن النُّعمان ﵁ وهو اللَّفظ السَّابق. قال التِّرمذي: «مرسل ... محمود بن لَبيد قد أدرك النَّبي ﷺ، ورآه وهو غلام صغير»، فلا يضرُّ إرساله؛ ولذا حسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ١٨١)، والله أعلم. وفي الباب عن حذيفة ﵁.