زاد المعاد

وأمَّا الحديث الدَّائر على ألسنة كثيرٍ من النَّاس: «الحمية رأس الدَّواء، والمعدة بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ جسد١ ما اعتاد»، فهذا الحديث إنَّما هو من كلام الحارث بن كَلَدة طبيب العرب٢، ولا يصحُّ رفعه إلى النَّبيِّ ﷺ٣. قاله غير واحدٍ من أئمَّة الحديث.

  1. (١) كان في ن: «جسم»، فأصلح.
  2. (٢) انظر: «عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء» (٢/ ١٧)، وفيه: «وقيل: هو من كلام عبد الملك بن أبجر». وأخرجه أبو محمَّد الخلَّال في «كتاب الطِّب» بإسناده من قولِ عليٍّ ﵁ كما في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٣٩)، وقال ابن مفلح أيضًا: روى الخلَّال في «كتاب الطِّب» بإسناده عن عروة ــ وفي نسخة: عمرو ــ بن سودة قال: جلس المأمون للنَّاس مجلسًا عامًّا، فكان فيمن حضَره منجَه وهنجَه طبيبَا الرُّوم والهند ... فأقبل المأمون على إسحاق بن راهويه فقال: ما تَرى؟ فقال: ذكر هشامُ بن عروةَ عن أبيه عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ دخل عليها وهي تشتكِي، فقال لها: «يا عائشة، الحِمية دواءٌ، والمعدة بيتُ الأدواء، وعوِّدوا بدنًا ما اعتاد». وهذا إسنادٌ ظاهِرُ الانقطاع، فإنَّ ابن راهَوَيه لم يُدرِك هشامًا، ثمَّ إنَّ راوي القصَّة لا يُدرَى من هو، ولا يُدرى حضورُه لها، ولم يُذكَر الإسناد إليه.
  3. (٣) وكذا قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٦٩)، والسَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (١٠٣٥). وعبارة ابن الجوزي في «زاد المسير» (٢/ ١١٤): «لا يثبُت». وقال الزَّيلعيُّ في «تخريج الكشَّاف» (١/ ٤٦٠): «غريب جدًّا». وقال السُّبكي في «الطَّبقات» (٦/ ٣٣٥): «لم أجِد له إسنادًا»، وكذا قال ابن حجر في «الكاف الشَّاف» (١١٠). وقال الزَّركشي في «التَّذكرة» (ص ١٤٥): «لا أصل له عن النَّبيِّ ﷺ»، وكذا قال العراقي في «المغني» (٢٤٩٦)، والألباني في «الضَّعيفة» (٢٥٢).
146

ويذكر عن النَّبيِّ ﷺ: «أنَّ المعدة حوض البدن، والعروقُ إليها واردةٌ. فإذا صحَّت المعدة صدرت العروق بالصِّحَّة، وإذا سقِمت المعدة صدرت العروق بالسَّقَم»١.

وقال الحارث: رأس الطِّبِّ الحمية٢. والحمية عندهم للصَّحيح في المضرَّة بمنزلة التَّخليط للمريض والنَّاقه. وأنفع ما تكون الحمية للنَّاقه من المرض، فإنَّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوَّتها، والقوَّةُ الهاضمةُ ضعيفة، والطَّبيعةُ قابلة، والأعضاءُ مستعدَّة؛ فتخليطُه يوجب انتكاسًا٣ أصعبَ من ابتداء مرضه.

واعلم أنَّ في منع النَّبيِّ ﷺ لعليٍّ من الأكل من الدَّوالي وهو ناقهٌ أحسنَ

  1. (١) أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» (٤٣٤٣)، وتمَّام في «الفوائد» (٣٣٢)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٨٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، قال العُقيلي في «الضُّعفاء» (١/ ٥١): «باطلٌ لا أصل له ... وهذا الكلام يُروى عن ابن أبجر»، وضعَّفه ابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ١٢٨)، والدَّارقطني في «العلل» (٨/ ٤٢)، والبيهقي في «الشُّعب» (٥٤١٤)، والذَّهبي في «الميزان» (١/ ٢٥)، والزَّيلعي في «تخريج أحاديث الكشَّاف» (١/ ٤٦٠)، وغيرهم، وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢٨٤)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٦٩٢).
  2. (٢) كتاب الحموي (ص ٣٣٦).
  3. (٣) د، ز، حط، ن: «انتكاسها»، وكذا غُيِّر في س. ويظهر أن بعضهم زاد فيما بعد: «وهو» قبل «أصعب» لإصلاح السياق كما في هامش ن.
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي