وممَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ كثيرًا ممَّا يُحمى عنه العليل والنَّاقه والصَّحيح، إذا اشتدَّت الشَّهوة إليه، ومالت إليه الطَّبيعة، فتناول منه الشَّيءَ اليسيرَ الذي لا تعجز الطَّبيعة عن هضمه= لم يضُرَّه تناولُه. بل ربَّما انتفع به، فإنَّ الطَّبيعة والمعدة تتلقَّيانه بالقبول والمحبَّة، فيصلحان ما يُخشى من ضرره. وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطَّبيعة وتدفعه من الدَّواء.
ولهذا أقرَّ النَّبيُّ ﷺ صهيبًا ــ وهو أرمد ــ على تناول التَّمرات اليسيرة، وعلِم أنَّها لا تضرُّه١. ومن هذا ما يروى عن عليٍّ أنَّه دخل على رسول الله ﷺ، وهو أرمد، وبين يدي النَّبيِّ ﷺ تمرٌ يأكله، فقال: «يا عليُّ، تشتهيه؟». ورمى إليه بتمرةٍ، ثمَّ بأخرى حتَّى رمى إليه سبعًا، ثمَّ قال: «حسبُك يا عليُّ»٢.
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٧٠٥) من طريق العلاء، عن أبيه، عَن عليٍّ ﵁ به، وحسَّن إسناده السيوطيُّ في «الجامع الكبير» كما في «الكنز» (٢٨٤٧١)، لكن الرَّاوي عن العلاء: الزِّنجيُّ بن خالد ــ وهو مسلمٌ المتقدِّم ذكره ــ متكلَّمٌ فيه، قال ابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٣١١): «هذا الحديث عن العلاء غير محفوظٍ». وجاء من وجه آخر مرسلًا، أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤١٣٤) عن حفص، عن جعفر، عن أبيه قال: أُهدِي للنَّبيِّ ﷺ قِناعٌ من تمرٍ وعليٌّ محموم، قال: فنبذ إليه تمرةً، ثمَّ أخرى، حتَّى ناوله سبعًا، ثمَّ كفَّ يده وقال: «حسبُك». وله طريق ثالث تالفٌ، أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣٨٣) من طريق سيف بن محمَّد، عن الثَّوريِّ، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البختريِّ، عن عليٍّ ﵁ بمعناه، وقال: «غريبٌ من حديث الثَّوريِّ، تفرَّد به سَيف»، وهو ابن أختٍ لسفيان، وقد كذَّبوه. وتقدَّم تخريج حديث أمِّ المنذر ﵂ في حِمية النَّبيِّ لعليٍّ ﵁.
ومن هذا ما رواه ابن ماجه في «سننه»١ من حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ عاد رجلًا فقال له: «ما تشتهي؟» فقال: أشتهي خبزَ بُرٍّ. وفي لفظٍ: أشتهي كَعْكًا. فقال النَّبيُّ ﷺ: «من كان عنده خبزُ برٍّ فليبعث إلى أخيه». ثمَّ قال: «إذا اشتهى مريضُ أحدكم شيئًا فليُطعِمه».
ففي هذا الحديث سرٌّ طبِّيٌّ لطيفٌ٢،
فإنَّ المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوعٍ صادقٍ طبيعيٍّ٣، وكان فيه ضررٌ مَّا، كان أنفعَ وأقلَّ ضررًا ممَّا لا يشتهيه، وإن كان نافعًا في نفسه؛ فإنَّ صدقَ شهوته ومحبَّةَ الطَّبيعة له٤ تدفع
(١) (١٤٣٩، ٣٤٤٠). وأخرجه أيضًا تمَّام في «الفوائد» (٦٤١)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٧٠٢). وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (٢٩٩)، وحسَّن إسناده ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٤)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٢/ ٢٠)، لكن فيه صفوان بن هُبيرة، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٢١٢): «لا يُتابع على حديثه، ولا يُعرف إلَّا به»؛ ولذا حكم بنكارَته أبو حاتم كما في «العِلل» لابنه (٢٤٨٨)، والذَّهبيُّ في «الميزان» (٢/ ٣١٦)، وأشار ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٤/ ٢٣٧) إلى لينه.
(٢) هذا السرّ الطبي اللطيف مأخوذ من كتاب الحموي (ص ٢٦٦) والحموي أخذه من «الأربعين الطبية» لعبد اللطيف البغدادي (ص ١٠٢)، وقال البغدادي بعد ذلك: «وطالما رأيت وسمعت مرضى يشتهون أشياء ينكرها الطبيب، فيتناولونها على رغمه، فيعقبها الشفاء. فإذا فحص الطبيب عن علة ذلك ألفاها صحيحة مطابقة. وما ذلك إلا لعجز البشر عن اقتناء كل ما في طبيعة الأشياء. فينبغي للطبيب الكيِّس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلّته على طبيعته ومما يهتدي به إلى طريق علله. فسبحان المستأثر بالغيب». والمؤلف ﵀ لم يقف على كتاب البغدادي، وإلّا لتلقَّف كلامه وساقه في هذا الفصل استحسانًا له.