ضرره. وبغضُ الطَّبيعة وكراهتُها للنَّافع قد يجلب لها منه ضررًا.
وبالجملة، فاللَّذيذ المشتهى تُقبل الطَّبيعة عليه بعنايةٍ، فتهضمه على أحمد الوجوه، سيَّما عند انبعاث النَّفس إليه بصدق الشَّهوة وصحَّة القوَّة. والله أعلم.
فصل
في هديه ﷺ في علاج الرَّمَد بالسُّكون والدَّعة، وترك الحركة، والحمية ممَّا يهيج الرَّمد١
وقد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ ﷺ حمى صهيبًا من التَّمر، وأنكر عليه أكلَه وهو أرمد. وحمى عليًّا من الرُّطَب لمَّا أصابه الرَّمد.
وذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبّ النَّبوي»٢ أنَّه ﷺ كان إذا رمِدت عينُ امرأةٍ من نسائه لم يأتها حتَّى تبرأ عينها.
الرَّمَد ورمٌ حارٌّ يعرض في الطَّبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها الظَّاهر. وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة، أو ريحٌ حارَّةٌ تكثر كمِّيَّتها في
(١) الفصل كله منقول من كتاب الحموي (ص ٣١٠ - ٣١٣) إلا الفقرة الرابعة الطويلة ولعله نقلها من الكتاب الذي نقل منه أنواع الصداع من قبل.
(٢) برقم (٢٧٧). وإسناده ضعيفٌ جدًّا؛ فيه حصين بن مخارق، قال الدَّارقطنيُّ في «الضُّعفاء» (١٧٩): «متروك»، وكذا قال ابن حجر في «الدِّراية» (٢/ ٣٨)، وأمَّا في «الفتح» (١١/ ٢٢٧) فقال: «ضعيفٌ». ونقل ابن الجوزيِّ في «الضُّعفاء» (٩٢٦) والذَّهبيُّ في «الميزان» (٢٠٩٧) وغيرهما عن الدَّارقطنيِّ أنَّه قال: «يَضَع الحديثَ»؛ وبناءً عليه حكم الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٥٩٢٣) على الحديث بالوضع.
الرَّأس والبدن، فينبعث منها قسطٌ إلى جوهر العين؛ أو بضربةٍ١ تصيب العينَ، فترسل الطَّبيعةُ إليها من الدَّم والرُّوح مقدارًا كثيرًا، تروم بذلك شفاءها ممَّا عرض لها، ولأجل ذلك يورَم٢ العضو المضروب، والقياس يوجب ضدَّه.
واعلم أنَّه كما يرتفع من الأرض إلى الجوِّ بخاران أحدهما: حارٌّ يابسٌ والآخر حارٌّ رطبٌ، فينعقدان سحابًا متراكمًا، ويمنعان أبصارنا من إدراك السَّماء؛ فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثلُ ذلك، فيمنعان النَّظر ويتولَّد عنهما عللٌ شتَّى. فإن قويت الطَّبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم أحدث الزُّكامَ. وإن دفعته إلى اللَّهاة والمَنْخِرَين أحدث الخُنَانَ٣. وإن دفعته إلى الجنب أحدث الشَّوْصَة٤. وإن دفعته إلى الصَّدر أحدث النَّزلة. وإن انحدر إلى القلب أحدث الخبطة. وإن دفعته إلى العين أحدث رمدًا. وإن انحدر إلى الجوف أحدث السَّيَلان. وإن دفعته إلى منازل الدِّماغ أحدث
(١) يعني: أو يعرض بضربة. وفي مخطوطة كتاب الحموي: «لضربة»، ومثله في ث. وفي النسخ المطبوعة: «ضربة»، غيَّر بعضهم لإصلاح السياق.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة. وضبط في حط بضم الياء وفي ن بضمها وفتح الراء، وتحته: «ط يرِم». ولعل الوارد في النسخ: «يَوْرَم» على لغة العامّة. وهو القياس ولكن لم يسمع من العرب، والصواب: يَرِمُ، مثل ورِث يرِث كما في كتاب الحموي (ص ٣١٠).
(٣) كذا في جميع النسخ. وهو داء يأخذ في الأنف. وفي النسخ المطبوعة: «خُناق». والخناق ورمٌ في عضلات الحنجرة والنُّغْنُغ. انظر: «بحر الجواهر» (ص ١١٨، ١١٩).