النِّسيان. وإن ترطَّبت أوعية الدِّماغ منه وامتلأت به عروقه أحدث النَّوم الشَّديد، ولذلك كان النَّوم رطبًا والسَّهر يابسًا. وإن طلب البخارُ النُّفوذ من الرَّأس فلم يقدر عليه أعقبه الصُّداع والسَّهر. وإن مال البخار إلى أحد شقَّي الرَّأس أعقبه الشَّقيقة. وإن ملَك قمَّةَ١ الرَّأس ووسط الهامة أعقبه داء البَيْضة٢. وإن برَد منه حجابُ الدِّماغ أو سخَن أو ترطَّب وهاجت منه أرياحٌ أحدث العطاس. وإن أهاجَ الرُّطوبة البلغميَّة فيه حتَّى غلب الحارُّ الغريزيُّ أحدث الإغماء والسُّكات. وإن أهاج المِرَّة السَّوداء حتَّى أظلم هواء الدِّماغ٣ أحدث الوَسْواس. وإن فاض ذلك إلى مجاري العَصَب أحدث الصَّرَع الطَّبيعيَّ.
وإن ترطَّبت مجامعُ٤ عصَب الرَّأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالِج. وإن كان البخار من مِرَّةٍ صفراء ملتهبةٍ مُحْمِيَةٍ للدِّماغ٥ أحدث البِرسَام٦. فإن شرِكه الصَّدرُ في ذلك كان سِرْسامًا٧. فافهم هذا الفصل.
(١) د: «فم»، تصحيف «قم»، والقِمّ هو القمة.
(٢) من أنواع الصداع، وقد ذكر في فصل هدي النبي ﷺ في علاج الصداع والشقيقة.
(٣) س، ث، ل، ن: «أظلم الدماغ»، وفي بعضها استدرك القراء كلمة «الهواء».
(٤) ث، ل: «مجاري مع»، تحريف لانتقال النظر.
(٥) «مجاريه ... للدماغ» ساقط من س، ث، ل.
(٦) ذكر المطرزي في «المغرب» (١/ ٤٢) أنه في «التهذيب» بالفتح، ولكن في المطبوع منه (١٣/ ١٥٧) بالكسر ضبط قلم. وهو مركب في الفارسية من «بَرْ» أي الصدر و«سام» أي الورم. انظر: «برهان قاطع» (١/ ٢٥٥).
(٧) «السرسام» أيضًا فارسي. و«سَرْ» هو الرأس. انظر: «التهذيب» (١٣/ ١٥٧) و«القانون» (٢/ ٧٦).
والمقصود أنَّ أخلاط البدن والرَّأس تكون متحرِّكةً هائجةً في حال الرَّمد، والجماعُ ممَّا يزيد حركتها وثورانها، فإنَّه حركةٌ كلِّيَّةٌ للبدن والرُّوح والطَّبيعة. فأمَّا البدن، فيسخُن بالحركة لا محالة، والنَّفسُ تشتدُّ حركتها طلبًا للَّذَّة واستكمالها. والرُّوح تتحرَّك تبعًا لحركة النَّفس والبدن، فإنَّ أوَّل تعلُّق الرُّوح من البدن بالقلب، ومنه ينشأ الرُّوح وتنبَثُّ في الأعضاء. وأمَّا حركة الطَّبيعة، فلأجل أن ترسل ما يجب إرساله من المنيِّ على المقدار الذي يجب إرساله.
وبالجملة: فالجماع حركةٌ كلِّيَّةٌ عامَّةٌ يتحرَّك فيها البدن وقواه وطبيعته وأخلاطه والرُّوح والنَّفس. وكلُّ حركةٍ فهي مثيرةٌ للأخلاط، مرقِّقةٌ لها، تُوجِب دفعها وسيلانها إلى الأعضاء الضَّعيفة. والعينُ في حال رمدها أضعَفُ ما تكون، فأضرُّ ما عليها حركةُ الجماع. قال أبقراط في كتاب «الفصول»١: وقد يدلُّ ركوبُ السُّفُن أنَّ الحركة تثوِّر الأبدان.
هذا مع أنَّ في الرَّمد منافع كثيرةً. منها ما يستدعيه من الحِمْية والاستفراغ، وتنقية الرَّأس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما، والكفُّ عمَّا يؤذي النَّفس والبدن من الغضب، والهمِّ والحزن، والحركات العنيفة، والأعمال الشَّاقَّة. وفي أثرٍ سلفيٍّ٢: لا تكرهوا الرَّمد، فإنَّه يقطع عروق
(١) انظر: نسخة الحرم المكي منه (٨/أ) و«شرح الفصول» لابن أبي صادق، مخطوطة الكونجرس (ل ١٠٢).
(٢) في مصدر النقل (ق ٨٩/ب): «وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ»، والحموي ينقل من كتاب «الطب النبوي» لأبي نعيم كما صرَّح في مواضع أخرى. فالمؤلف غيَّر عبارة الحموي إلى «أثر سلفي»، وابن مفلح الصادر عن «زاد المعاد» عبَّر عنه في «الآداب الشرعية» (٢/ ٣٥٢) بقوله: «قال بعض السلف».