وهذا ممَّا تقدَّم مرارًا أنَّه خاصٌّ ببعض البلاد وبعض أوجاع العين، فلا يجعل كلام النُّبوَّة الجزئيُّ الخاصُّ كلِّيًّا عامًّا، ولا الكلِّيُّ العامُّ جزئيًّا خاصًّا، فيقع من الخطأ وخلاف الصَّواب ما يقع. والله أعلم.
فصل
في هديه ﷺ في علاج الخَدَران١ الكلِّيِّ الذي يخمد٢ معه البدن٣
ذكر أبو عبيد٤ في «غريب الحديث»٥ من حديث أبي عثمان النَّهديِّ أنَّ قومًا مرُّوا بشجرةٍ، فأكلوا منها، فكأنَّما مرَّت بهم ريحٌ، فأخمدَتْهم٦.
(١) لم تذكر كتب اللغة هذا المصدر.
(٢) هكذا في ن، وهو مقتضى لفظ الحديث الآتي. وفي ز: «يجمد» بالجيم كما في النسخ المطبوعة. ولم يعجم في النسخ الأخرى.
(٣) كتاب الحموي (ص ٣١٣ - ٣١٤) إلا الفقرة الأخيرة.
(٤) حط: «أبو عبيدة»، وكذا في ز في الموضع الآتي، وهو تحريف.
(٥) (٣/ ٤٠٠ - ٤٠٢). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٤١٩٢)، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» (٤/ ٢٤٢)، ووقع عنده: «عن أبي عثمان النَّهديِّ أو عن أبي قلابة». وهذا مرسلٌ. وله شاهدٌ مسندٌ من حديث عبد الرَّحمن بن المرقّع ﵁ بنحوه، أخرجه البغويُّ في «معجم الصَّحابة» (٢/ ل ٤٤١)، وابن قانع في «معجم الصَّحابة» (٢/ ١٦٤)، وأبو نعيم في «معرفة الصَّحابة» (٤٥٣٨، ٤٦٥٧) والبيهقيُّ في «الدَّلائل» (٦/ ١٦١)، قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٩٥): «رواه الطَّبراني، وفيه المحبّر بن هارون ولم أعرفه، وبقيَّة رجاله ثقات».
(٦) في ث، ل، مخطوط الحموي: «فأخذتهم». وفي النسخ المطبوعة: «فأجمدتهم»، وكلاهما تصحيف ما أثبت من النسخ الأخرى و«غريب الحديث» وغيره.
فقال النَّبيُّ ﷺ: «قرِّسوا الماء في الشِّنان، وصبُّوا عليهم فيما بين الأذانين». ثمَّ قال أبو عبيد: قرِّسوا، يعني: برِّدوا. وقول النَّاس: قد قرِسَ البردُ إنَّما هو من هذا، بالسِّين ليس بالصَّاد. والشِّنان: الأسقية والقِرَب الخُلْقان. يقال للسِّقاء شَنٌّ، وللقِرْبة شَنَّةٌ. وإنَّما ذكر الشِّنانَ دون الجُدُد١ لأنَّها أشدُّ تبريدًا للماء. وقوله: «بين الأذانين» يعني أذان الفجر والإقامة، فسمَّى الإقامة أذانًا. انتهى كلامه.
قال بعض الأطبَّاء٢: وهذا العلاج من النَّبيِّ ﷺ من أفضل علاج هذا الدَّاء إذ٣ كان وقوعه بالحجاز، وهي بلادٌ حارَّةٌ يابسةٌ، والحارُّ الغريزيُّ ضعيفٌ في بواطن سكَّانها، وصبُّ الماء البارد عليهم في الوقت المذكور ــ وهو أبرد أوقات اليوم ــ يوجب جمعَ الحارِّ الغريزيِّ المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، فتقوى٤ القوَّة الدَّافعة، وتجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محلُّ ذلك الدَّاء، وتستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فتدفعه بإذن الله ﷿.
ولو أنَّ أبقراط٥ أو جالينوس أو غيرهما وصف هذا الدَّواء لهذا الدَّاء لخضعت له الأطبَّاء، وعجبوا من كمال معرفته.
(١) في مطبوعة كتاب الحموي: «الجرَّة»، تحريف.
(٢) هو الحموي الكحَّال صاحب الكتاب الذي صدر عنه المؤلف.
(٣) د، س: «إذا»، وكذا في المطبوع.
(٤) هكذا في ث، ل، مخطوط الحموي. وقد اضطربت النسخ في حرف المضارعة في هذا الفعل والأفعال الآتية، وهو الياء فيها جميعًا في المطبوع.