وقد تقدَّم في هديه ﷺ أنَّه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده، ويسأله عمَّا يشتهيه، ويضع يده على جبهته ــ وربَّما وضعها بين ثدييه ــ ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علَّته. وربَّما توضَّأ وصبَّ على المريض من وضوئه. وربَّما كان يقول للمريض: «لا بأس عليك١، طهورٌ إن شاء اللَّه». وهذا من كمال اللُّطف وحسن العلاج والتَّدبير.
فصل
في هديه ﷺ في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده
هذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج وأنفع شيءٍ فيه، وإذا أخطأه الطَّبيب ضرَّ المريضَ من حيث يظنُّ أنَّه ينفعه. ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الأطبَّاء٢ إلا طبيبٌ جاهلٌ، فإنَّ ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها. وهؤلاء أهل البوادي والأكَّارون وغيرهم لا ينجع فيهم شرابُ النَّيلَوفَر٣ والورد الطَّريِّ ولا المغالي٤ ولا يؤثِّر في طباعهم شيئًا، بل عامَّة أدوية أهل الحضر وأهل الرَّفاهة لا تجدي عليهم، والتَّجربة شاهدةٌ بذلك.
(١) «عليك» ساقط من طبعة الرسالة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «كتب الطب».
(٣) ز، حط، ن: «اللينوفر». وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها خلافًا للطبعة الهندية التي فيها كما أثبتنا من ف، ث، ل. وفي د: «النينوفر».
(٤) كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة. وغيِّر في طبعة الرسالة إلى «المغلي».
ومن تأمَّل ما ذكرناه من العلاج النَّبويِّ رآه كلَّه موافقًا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه. فهذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج يجب الاعتناء به. وقد صرَّح به أفاضل أهل الطِّبِّ حتَّى قال طبيب العرب بل أطبُّهم الحارث بن كَلَدة، وكان فيهم كأبقراط في قومه: «الحِمْيَة رأس الدَّواء، والمَعِدةُ بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ بدنٍ ما اعتاد»١. وفي لفظٍ عنه: «الأَزْم دواءٌ»٢. والأَزْم٣: الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائيَّة كلِّها بحيث إنَّه أفضل في علاجها من المستفرِغات إذا لم يخَفْ٤ من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدَّتها وغليانها.
وقوله: «المعدة بيت الدَّاء». المعدة: عضوٌ عصبيٌّ مجوَّفٌ، كالقَرْعة في شكله، مركَّبٌ من ثلاث طبقاتٍ مؤلَّفةٍ من شظايا دقيقةٍ عصبيَّةٍ تسمَّى «اللِّيف»، ويحيط بها لحمٌ وليفٌ: إحدى الطَّبقات بالطُّول، والأخرى بالعرض، والثَّالثة بالوِراب٥. وفم المعدة أكثر عَصَبًا، وقعرها أكثر لحمًا،
(١) تقدَّم في فصل هديه ﷺ في الحمية.
(٢) أخرجه عبد الرَّزَّاق في «الأمالي في آثار الصَّحابة» (١٥٦) عن ابن عيينة قال: قال عمر بن الخطَّاب ﵁ للحارث بن كلدة وكان أطبَّ النَّاس: ما الدَّواء؟ قال: الأزم يا أمير المؤمنين، يعني الحِمية. وأخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٧٠٠) من طريق عليِّ ابن المدينيِّ، عن ابن عيينة، عَن ابن أبي نجيح، عَن أبيه قال: سأل عُمرُ ... وذكره.
(٣) النص من هنا إلى آخر الفصل منقول من كتاب الحموي (ص ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٤) ن: «يخفِّف». وفي مخطوط كتاب الحموي (٨٥/ب): «يخاف».
(٥) ث، ل: «بالوارب»، وفي طبعة الرسالة: «بالورب» خلافًا للنسخ الخطية والمطبوعة، والوِراب يعني الميل والتحريف بين الطول والعرض. نقله دوزي (١/ ١٠٧) من «معجم المنصوري». ومنه «عرض الوِراب» في علم الهيئة. انظر: «كشاف التهانوي» (٢/ ١١٧٥). وذكر الرازي في «المنصوري» (ص ٣٥٨ - ليدن) أن المعدة مؤلفة من طبقتين داخلة وخارجة ثم قال: «أما الطبعة الداخلة فمن جنس الأغشية العصبانية، وليفها ذاهب بالطول، وفيها ليف ذاهب على الوِراب».