التَّلبين: هو الحساء الرَّقيق الذي هو في قوام اللَّبن، ومنه اشتقَّ اسمه. قال الهروي١: سمِّيت تلبينةً لشبهها باللَّبن لبياضها ورقَّتها. وهذا الغذاء هو النَّافع للعليل، وهو الرَّقيق النَّضيج لا الغليظ النِّيء. وإذا شئت أن تعرف فضل التَّلبينة فاعرف فضل ماء الشَّعير. بل هي ماء الشَّعير لهم، فإنَّها حساءٌ متَّخذٌ من دقيق الشَّعير بنخالته. والفرق بينها وبين ماء الشَّعير أنَّه يطبخ صحاحًا، والتَّلبينة تطبخ منه مطحونًا. وهي أنفع منه لخروج خاصِّيَّة الشَّعير بالطَّحن.
وقد تقدَّم أنَّ للعادات تأثيرًا في الانتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتَّخذوا ماء الشَّعير منه مطحونًا لا صحاحًا. وهو أكثر تغذيةً، وأقوى فعلًا، وأعظم جلاءً. وإنَّما اتَّخذه أطبَّاء المدن منه صحاحًا ليكون أرقَّ وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض. وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشَّعير المطحون عليها. والمقصود: أنَّ ماء الشَّعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جلاءً ظاهرًا، ويغذِّي غذاءً لطيفًا. وإذا شُرِب حارًّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزيَّة أكثر،
(١) لعل المقصود أبو عبيد صاحب «الغريبين» (٥/ ١٦٧٢) وهو صادر عن «التهذيب» (١٥/ ٣٦٤) لشيخه الأزهري، وكلاهما هروي.
وتلميسه١ لسطوح المعدة أوفق٢.
وقوله ﷺ فيها: «مَجَمَّةٌ لفؤاد المريض» يروى بوجهين. بفتح الميم والجيم، وبضمِّ الميم وكسر الجيم، والأوَّل: أشهر. ومعناه٣: أنَّها مريحةٌ له أي تُريحه وتسكِّنه، من الإجمام وهو الرَّاحة.
وقوله: «تذهب ببعض الحزن» هذا ــ والله أعلم ــ لأنَّ الغمَّ والحزن يبرِّدان المزاج، ويُضْعِفان الحرارة الغريزيَّة، لميل الرُّوح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها. وهذا الحساء يقوِّي الحرارة الغريزيَّة بزيادته في مادَّتها، فيزيل أكثر ما عرض له من الغمِّ والحزن.
وقد يقال ــ وهو أقرب ــ: إنَّها تذهب ببعض الحزن بخاصِّيَّةٍ فيها من جنس خواصِّ الأغذية المفرِّحة، فإنَّ من الأغذية ما يفرِّح بالخاصِّيَّة. والله أعلم.
وقد يقال٤: إنَّ قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه
(١) كذا في جميع النسخ ومخطوط كتاب الحموي الذي اعتمد عليه ناشره. ولعل النسخة التي نقل منها ابن القيم كانت شبيهة بهذا المخطوط. وهو تصحيف صوابه: «تمليسه» بالميم قبل اللام كما في المخطوط الذي بين يديَّ من كتاب الحموي (٣١/ب) ومصدره «الأربعين الطبية» للموفق (ص ١٠٤). ومما قاله الموفق في هذا الفصل: «وشُرب الماء الحارِّ وحده يفعل مثل ذلك، ولكن لا يغذِّي ولا يملِّس».
(٢) في كتاب الحموي: «أوفر». ونص الموفَّق: «وتمليسه لسطوح المعدة والأمعاء وسائر الأجزاء أحسن».
(٣) ز: «ومعناها». وكذا في كتاب الحموي.
(٤) القول السابق للمؤلف. أما هذا القول فهو للموفَّق في «الأربعين الطبية» (ص ١٠٤) أورده الحموي دون إشارة إليه، كما فعل المؤلف في النقل من كتاب الحموي.