كعب بن مالك: أنَّ امرأةً يهوديَّةً أهدت إلى النَّبيِّ ﷺ شاةً مَصْليَّةً بخيبر، فقال: «ما هذه؟». قالت: هديَّةٌ، وحذِرت أن تقول: من الصَّدقة، فلا يأكلَ١. فأكل النَّبيُّ ﷺ وأكل أصحابه٢. ثمَّ قال: «أمسِكوا». ثمَّ قال للمرأة: «هل سمَمْتِ هذه الشَّاة؟». قالت: من أخبرك بهذا؟ قال: «هذا العظم» لساقها وهو في يده؟ قالت: نعم. قال: «لم؟». قالت: أردت إن كنتَ كاذبًا أن يستريح منك النَّاس٣، وإن كنتَ نبيًّا لم يضرَّك.
قال: فاحتجم النَّبيُّ ﷺ ثلاثةً على الكاهل، وأمر أصحابه٤، فاحتجموا، فمات بعضهم.
وفي طريقٍ أخرى: واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشَّاة. حَجَمه أبو هند بالقَرْن والشَّفرة، وهو مولًى لبني بياضة من الأنصار٥.
(١) بعده في ن زيادة: «منها».
(٢) حط: «الصحابة».
(٣) س: «نستريح منك والناس».
(٤) في ن بعده زيادة: «أن يحتجموا» زادها بعض النساخ لعدم إلفه للعربية العتيقة. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٥) أخرجه أبو داود (٤٥١٠) من طريق يونس، والدَّارميُّ (٦٨) من طريق شُعَيب بن أبي حَمزة، كلاهما عن ابن شهاب، عن جابر بن عبد الله به. وهذا أحد الأوجه الَّتي رُويت عن الزُّهريِّ في هذا الحديث، قال المقدسيُّ في «السُّنن والأحكام» (٥/ ٥٤٤): «ابن شهاب لم يُدرك جابرًا»، فالإسناد منقطع، لكن له شواهد كثيرةٌ تقدَّم الإشارة إليها في التَّخريج السَّابق.
وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتَّى كان وجعه الذي توفِّي فيه فقال: «ما زلتُ أجد من الأُكْلة الَّتي أكلتُ من الشَّاة يوم خيبر حتَّى كان هذا أوانَ انقطاع الأبهر منِّي». فتوفِّي رسول الله ﷺ شهيدًا. قاله موسى بن عقبة١.
معالجة السَّمِّ تكون بالاستفراغات وبالأدوية الَّتي تُعارض فعلَ السَّمِّ وتبطله، إمَّا بكيفيَّاتها، وإمَّا بخواصِّها. فمن عَدِم الدَّواءَ فليبادر إلى الاستفراغ الكلِّيِّ، وأنفعه الحجامة ولا سيَّما إذا كان البلد حارًّا والزَّمان حارًّا؛ فإنَّ القوَّة السَّمِّيَّة تسري إلى الدَّم، فتنبعث في العروق والمجاري حتَّى تصل إلى القلب فيكون الهلاك. فالدَّم هو المنفذ المُوصِل للسَّمِّ إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدَّمَ خرجت معه تلك الكيفيَّة السَّمِّيَّة الَّتي خالطته. فإن كان استفراغًا تامًّا لم يضرَّه السَّمُّ، بل إمَّا أن يذهب، وإمَّا أن يضعُف فتقوى عليه الطَّبيعة، فتُبطِل فعله أو تُضْعِفه.
ولمَّا احتجم النَّبيُّ ﷺ احتجم في الكاهل٢، وهو أقرب المواضع الَّتي يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت المادَّة السَّمِّيَّة مع الدَّم لا خروجًا
(١) «المغازي» (ص ٢٥٥) قال: قال الزُّهريُّ: قال جابر بن عبد الله: «واحتجم رسول الله ﷺ على الكاهل يومئذٍ ...» إلخ، ومن طريق موسى أخرجه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (٤/ ٢٦٤)، وإسناده منقطعٌ. وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطَّبقات» (٢/ ٢٠١) عن الواقديِّ ــ وهو متروكٌ ــ وجمع فيه أسانيد متعدِّدةً. وأخرج الطَّبراني في «الكبير» (٢/ ٣٥) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروةَ مرسلًا، وذكر قصَّة الشَّاة المسمومة، وفي آخرها: «وبقي رسول الله ﷺ بعد ثلاث سنين حتَّى كان وجعُه الَّذي مات فيه».
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٦٠)، والتِّرمذيُّ (٢٠٥١)، وابن ماجه (٣٤٨٣)، وأحمد (١٢١٩١، ١٣٠٠١)، وغيرهم من حديث أنس ﵁. وقد تقدَّم تخريجه.