يعلم أنَّه خيالٌ لا حقيقة له. ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض١. والله أعلم.
فصل
ومن أنفع علاجات السِّحر: الأدوية الإلهيَّة. بل هي أدويته النَّافعة بالذَّات، فإنَّه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفليَّة. ودفعُ تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدَّعوات الَّتي تُبطل فعلها وتأثيرها، وكلَّما كانت أقوى وأشدَّ كانت أبلغ في النُّشرة. وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كلٍّ٢ منهما عُدَّته وسلاحه، فأيُّهما غلب الآخرَ قهَرَه، وكان الحكم له. فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا٣ بذكره، وله من التَّوجُّهات والدَّعوات والأذكار والتَّعوُّذات وردٌ لا يخلُّ به يطابق فيه قلبه لسانه= كان هذا من أعظم الأسباب الَّتي تمنع إصابة السِّحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه.
وعند السَّحرة: أنَّ سحرهم إنَّما يتمُّ٤ تأثيره في القلوب الضَّعيفة المنفعلة والنُّفوس الشَّهوانيَّة الَّتي هي معلَّقةٌ بالسُّفليَّات. ولهذا غالبُ ما يؤثِّر في النِّساء والصِّبيان والجهَّال وأهل البوادي، ومَن ضعُف حظُّه من الدِّين والتَّوكُّل والتَّوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهيَّة والدَّعوات
(١) هذه الفقرة مستفادة من كلام القاضي عياض الذي نقله الحموي (ص ٣١٩) وهو في «الشفا» (٢/ ١٨٢).
(٢) ن: «كل واحد»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ز، حط، د: «معمورًا».
(٤) لفظ «يتم» ساقط من ز.
والتَّعوُّذات النَّبويَّة. وبالجملة، فسلطان تأثيره في القلوب الضَّعيفة المنفعلة الَّتي يكون ميلها إلى السُّفليَّات.
قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنَّا نجد قلبه متعلِّقًا بشيءٍ كثيرَ الالتفات إليه، فيتسلَّط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات. والأرواح الخبيثة إنَّما تتسلَّط على أرواحٍ تلقاها مستعدَّةً لتسلُّطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوَّة الإلهيَّة، وعدم أخذها للعُدَّة الَّتي تحاربها بها؛ فتجدها فارغةً لا عدَّة معها، وفيها ميلٌ إلى ما يناسبها، فتتسلَّط عليها، ويتمكَّن تأثيرها فيها بالسِّحر وغيره١. والله أعلم٢.
فصل
في هديه ﷺ في الاستفراغ بالقيء٣
روى الترمذي في «جامعه»٤ عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدَّرداء
(١) إن صحَّ قولهم هذا فكيف جاز السحر على النبي ﷺ؟ أجاب عنه الحافظ في «الفتح» (١٠/ ٢٣٥) بأن ما ذكره ابن القيم محمول على الغالب وأن ما وقع به ﷺ لبيان تجويز ذلك.
(٢) لم يرد «والله أعلم» في د.
(٣) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل وما يليه في القيء.
(٤) برقم (٨٧). وأخرجه أبو داود (٢٣٨١)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٣١٠٧ - ٣١١٦)، وأحمد (٢١٧٠١، ٢٢٣٨١، ٢٧٥٠٢)، والدَّارميُّ (١٧٦٩)، وغيرُهم، كلُّهم بلفظ: «قاء فأفطر». وأعلَّه البيهقيُّ في «الكبرى» (١/ ١٤٤، ٢٢٠) بالاضطراب في إسناده، وتُعُقِّب. وقد صحَّحه ابن الجارود (٨)، وابن خزيمة (١٩٥٦ - ١٩٥٩)، وابن حبَّان (١٠٩٧)، وابن منده كما في «الجوهر النَّقيِّ»، والحاكم (١/ ٤٢٦)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١١١). وفي الباب عن فضالة بن عبيد ﵁.