وأخبرني بعض حذَّاق الأطبَّاء، قال: كان لي ابن أختٍ حَذِقَ في الكَحْل فجلس كحَّالًا، فكان إذا فتح عين الرَّجل، ورأى الرَّمدَ، وكحَله= رَمِد هو. وتكرَّر ذلك منه، فترك الجلوس. قلت له: فما سببه١؟ قال: نقلُ الطَّبيعة، فإنَّها نقَّالة٢.
قال: وأعرف آخر كان٣ رأى خُرَاجًا في موضعٍ من جسم رجلٍ يحُكُّه، فحكَّ هو ذلك الموضع، فخرجت فيه خُرَاجةٌ.
قلت: وكلُّ هذا لا بدَّ فيه من استعداد الطَّبيعة، وتكون المادَّة ساكنةً فيها غير متحرِّكةٍ، فتتحرَّك لسببٍ من هذه الأسباب. فهذه أسبابٌ لتحرُّك المادَّة، لا أنَّها هي الموجبة لهذا العارض.
فصل
ولمَّا كانت الأخلاط في البلاد الحارَّة والأزمنة الحارَّة ترقُّ وتنجذب إلى فوقُ كان القيء فيها أنفع. ولمَّا كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلُظ ويصعب جذبُها إلى فوقُ كان استفراغها بالإسهال أنفع.
وإزالة الأخلاط ودفعها يكون بالجذب والاستفراغ. والجذب يكون من
(١) ن: «سبب ذلك».
(٢) الجملة «فإنها نقالة» ساقطة من د. وقد نقل المؤلف هذه الحكاية في «الطرق الحكمية» (٢/ ٧٣٨) و«تحفة المودود» أيضًا (ص ٤٠٠)، وقال في الأخير: «وحدثني رئيس الأطباء بالقاهرة».
(٣) في س بعده زيادة: «إذا»، ولعله من خطأ الناسخ.
أبعد الطُّرق، والاستفراغ من أقربها. والفرق بينهما أنَّ المادَّة إذا كانت عاملةً في الانصباب أو التَّرقِّي لم تستقرَّ بعدُ فهي محتاجةٌ إلى الجذب. فإن كانت متصاعدةً جُذبت من أسفل، وإن كانت منصبَّةً جُذِبت من فوق. وأمَّا إذا استقرَّت في موضعها استُفرغت من أقرب الطُّرق إليها. فمتى أضرَّت المادَّة بالأعضاء العليا اجتُذِبت من أسفل، ومتى أضرَّت بالأعضاء السُّفلى اجتُذبت من فوق. ومتى استقرَّت استُفرغت من أقرب مكانٍ إليها.
ولهذا احتجم النَّبيُّ ﷺ على كاهله تارةً، وفي رأسه أخرى، وعلى ظهر قدمه تارةً؛ فكان يستفرغ مادَّة الدَّم المؤذي من أقرب مكانٍ إليه١.
وينبغي أن يستعمله الصَّحيح في الشَّهر مرَّتين متواليتين من غير حفظ دورٍ٣، ليتدارك الثَّاني ما قصَّر عنه الأوَّل، وينقِّي الفضلات الَّتي انصبَّت بسببه.
(١) بعده في ن: «والله أعلم».
(٢) وانظر منافع القيء في «القانون» (١/ ٢٨٧).
(٣) نقل صاحب «القانون» (١/ ٢٨٧) عن أبقراط أنه يوجب الاستفراغ بالقيء في الشهر يومين متواليين، أما هو فيرى أن يستعمل مرة أو مرتين على الامتلاء من غير حفظ دور أو عدد أيام معلومة. وانظر: «الحاوي» (٢/ ٣٥٨).