والإكثار منه يضرُّ المعدة ويجعلها قابلةً للفضول، ويضرُّ بالأسنان والبصر والسَّمع، وربَّما صدَع عِرْقًا. ويجب أن يجتنبه من له ورمٌ في الحلق أو ضعفٌ في الصَّدر، أو دقيقُ الرَّقبة، أو مستعدٌّ لنفث الدَّم، أو عسِرُ الإجابة له١.
وأمَّا ما يفعله كثيرٌ ممَّن يسيء التَّدبير، وهو أن يمتلئ من الطَّعام ثمَّ يقذفه، ففيه آفاتٌ عديدةٌ، منها: أنَّه يعجِّل الهرم، ويوقع في أمراضٍ رديَّة، ويجعل القيء له عادةً. والقيء مع اليبوسة وضعف الأحشاء وهزال المراقِّ أو ضعف المستقيء خطرٌ.
وأحمد أوقاته الصَّيف والرَّبيع دون الشِّتاء والخريف. وينبغي عند القيء أن يعصِب العينين، ويقمِط البطنَ٢؛ ويغسل الوجه بماءٍ باردٍ عند الفراغ وإن شرِب٣ عقيبه شراب التُّفَّاح مع يسيرٍ من مُصْطكى وماء وردٍ نفعَه نفعًا بيِّنًا.
والقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل، والإسهال بالعكس. قال أبقراط٤: وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصَّيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدَّواء، وفي الشِّتاء من أسفل.
(١) وانظر مضارَّ القيء في «القانون» (١/ ٢٨٨).
(٢) أي يشدَّه برباط.
(٣) س، حط: «يشرب»، ويحتمله رسم الكلمة في ث، ل، ن. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) في المقالة الرابعة من «فصوله» (ق ٨/أ). وفي عبارة المؤلف تعقيد. ونصُّ ترجمة حنين: «ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء، في الصيف من فوق أكثر، وفي الشتاء من أسفل». وانظر: «شرح الفصول» لابن أبي صادق (ل ٩٤ - ٩٥).
فصل
في هديه ﷺ في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطَّبيبين
ذكر مالك في «موطَّئه»١ عن زيد بن أسلم أنَّ رجلًا في زمن رسول الله ﷺ جُرِحَ، فاحتقَن الدَّمَ؛ وأنَّ الرَّجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظرا٢ إليه، فزعم٣ أنَّ رسول الله ﷺ قال لهما: «أيُّكما أطَبُّ؟». فقالا: أوَ في الطِّبِّ خيرٌ يا رسول اللَّه؟ فقال: «أنزل الدَّواءَ الذي أنزل الدَّاء»٤.
ففي هذا الحديث أنَّه ينبغي الاستعانة في كلِّ علمٍ وصناعةٍ بأحذقِ مَن
(١) برقم (٢٧١٨). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٣٨٨٦) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣٦) ــ عن عبد الرَّحيم بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن زيد به مرسلًا. وله شاهدٌ صحيحٌ من حديثِ رجلٍ منَ الأنصار عند أحمد (٢٣١٥٦)، وآخرُ من حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣١، ٣٢) تقدَّم تخريجه.
(٢) ث، ل، ن: «فنظر»، وكذا في مخطوطة كتاب الحموي (٧٤/أ) والطبعة الهندية، ولعله سهو من النساخ.
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي مخطوطة الحموي: «فزعم زيد»، وهي رواية أبي مصعب (٢/ ١٢١) وفي رواية الليثي: «فزعما».
(٤) هذه رواية أبي مصعب. وفي رواية الليثي: «الأدواء». لفظ الحديث منقول من كتاب الحموي (ص ٢٧٢) وفيه: «عن أبي محمد الخلال بإسناد له عن زيد بن أسلم ...». وفي آخره: «رواه مالك في الموطأ». فأغفل المصنف اسم الخلال وأحال على الموطأ رأسًا. فلما رأى محققا طبعة الرسالة اختلاف اللفظ الوارد هنا من لفظ الموطَّأ أخذتهما الحَميَّة للحديث فيما يبدو، فتصرفا في النص وأثبتا: «أن رجلًا في زمان رسول الله ﷺ أصابه جرحٌ، فاحتقن الجرح الدم ... فزعما أن ... الداء».