ذكر مالك في «موطَّئه»١ عن زيد بن أسلم أنَّ رجلًا في زمن رسول الله ﷺ جُرِحَ، فاحتقَن الدَّمَ؛ وأنَّ الرَّجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظرا٢ إليه، فزعم٣ أنَّ رسول الله ﷺ قال لهما: «أيُّكما أطَبُّ؟». فقالا: أوَ في الطِّبِّ خيرٌ يا رسول اللَّه؟ فقال: «أنزل الدَّواءَ الذي أنزل الدَّاء»٤.
ففي هذا الحديث أنَّه ينبغي الاستعانة في كلِّ علمٍ وصناعةٍ بأحذقِ مَن
(١) برقم (٢٧١٨). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٣٨٨٦) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣٦) ــ عن عبد الرَّحيم بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن زيد به مرسلًا. وله شاهدٌ صحيحٌ من حديثِ رجلٍ منَ الأنصار عند أحمد (٢٣١٥٦)، وآخرُ من حديث أبي هريرة ﵁ عند أبي نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣١، ٣٢) تقدَّم تخريجه.
(٢) ث، ل، ن: «فنظر»، وكذا في مخطوطة كتاب الحموي (٧٤/أ) والطبعة الهندية، ولعله سهو من النساخ.
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي مخطوطة الحموي: «فزعم زيد»، وهي رواية أبي مصعب (٢/ ١٢١) وفي رواية الليثي: «فزعما».
(٤) هذه رواية أبي مصعب. وفي رواية الليثي: «الأدواء». لفظ الحديث منقول من كتاب الحموي (ص ٢٧٢) وفيه: «عن أبي محمد الخلال بإسناد له عن زيد بن أسلم ...». وفي آخره: «رواه مالك في الموطأ». فأغفل المصنف اسم الخلال وأحال على الموطأ رأسًا. فلما رأى محققا طبعة الرسالة اختلاف اللفظ الوارد هنا من لفظ الموطَّأ أخذتهما الحَميَّة للحديث فيما يبدو، فتصرفا في النص وأثبتا: «أن رجلًا في زمان رسول الله ﷺ أصابه جرحٌ، فاحتقن الجرح الدم ... فزعما أن ... الداء».
فيها فالأحذق، فإنَّه إلى الإصابة أقرب. وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما ينزل١ به بالأعلم فالأعلم لأنَّه أقرب إصابةً ممَّن هو دونه. وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنَّه يقلِّد أعلمَ من يجده. وعلى هذا فطَر الله عباده، كما أنَّ المسافر في البرِّ والبحر إنَّما سكون نفسه وطمأنينته إلى أحذق الدَّليلين وأخبَرِهما، وله يقصد، وعليه يعتمد. فقد اتَّفقت على هذا الشَّريعة والفطرة والعقل.
وقوله ﷺ: «أنزل الدَّواء الذي أنزل الدَّاء» قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرةٍ. فمنها ما رواه عمرو بن دينارٍ عن هلال بن يَسَاف قال: دخل رسول الله ﷺ على مريضٍ يعوده، فقال: «أرسِلُوا إلى طبيبٍ». فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: «نعم، إنَّ الله ﷿ لم يُنْزِل داءً إلا له٢ دواءٌ»٣.
وفي «الصَّحيحين» من حديث أبي هريرة يرفعه: «ما أنزل الله من داءٍ إلا
(١) ن: «نزل».
(٢) ل: «وله». وفي ن قبله: «أنزل»، وكذا في هامش ز، وفي النسخ المطبوعة. وفي مخطوط كتاب الحموي كما أثبت من النسخ.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٨٨٠) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٣) ــ عن ابن عيينة، عن عَمرو به، وأخرجه أبو نعيم أيضًا (٣٤، ٣٥) من طريق حسَّان بن إبراهيم، عن عَمرو به، وهذا مرسلٌ. وقد جاء من وجهٍ آخرَ مسندًا، فأخرجه أحمد (٢٣١٥٦)، وابن منيع كما في «الإتحاف» للبوصيريِّ (٣٨٧٤)، من طريق سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن ذكوان، عن رجل من الأنصار بمعناه، قال البوصيريُّ: «رجاله ثقات»، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥١٧، ٢٨٧٣). وللحديث شواهد كثيرةٌ، تقدَّم بعضها في أوائل المجلد.