واختُلِف في معنى «أنزل الدَّاء والدَّواء»، فقالت طائفة٢: إنزالُه: إعلامُ العباد به. وليس بشيءٍ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر بعموم الإنزال لكلِّ داءٍ ودوائه، وأكثرُ الخلق لا يعلمون ذلك. ولهذا قال: «علِمَه من علِمَه، وجَهِله مَن جَهِله»٣.
وقالت طائفة: إنزالهما: خلقُهما ووضعُهما في الأرض، كما في الحديث الآخر: «إنَّ الله لم يضع داءً إلا وضَع له دواءً»٤. وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله، فلفظة «الإنزال» أخصُّ من لفظة الخلق والوضع، فلا ينبغي إسقاط خصوصيَّة اللَّفظة بلا موجِبٍ.
وقالت طائفة: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكَّلين بمباشرة الخلق من داءٍ ودواءٍ وغير ذلك، فإنَّ الملائكة موكَّلةٌ بأمر هذا العالم وأمر النَّوع
(١) في أول هذا المجلد. وسبق التنبيه على أن الحديث المذكور لم يخرِّجه مسلم، وإنما تابع المؤلف الحموي (ص ٦١).
(٢) انظر الأقوال الثلاثة الأولى في «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٧/ ١٢٠) وعنه نقل الحموي في كتابه (ص ٢٧٣، ٦١).
(٣) أخرجه أحمد (١٨٤٥٦) من حديث أسامة بن شريك ﵁، وأخرجه أيضًا (٣٥٧٨، ٣٩٢٢، ٤٢٣٦، ٤٣٣٤) من حديث ابن مسعود ﵁، وقد تقدَّم تخريجهما في أوائل المجلد.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٥٥)، والتِّرمذيُّ (٢٠٣٨)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٥٣، ٧٥٥٤)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وأحمد (١٨٤٥٤)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٢٩١)، من حديث أسامة بن شريك ﵁. وقد تقدَّم تخريجه في أوائل المجلد.
الإنسانيِّ من حين سقوطه في رحم أمِّه إلى حين موته. فإنزالُ١ الدَّاء والدَّواء مع الملائكة. وهذا أقرب من الوجهين قبله.
وقالت طائفة: إنَّ عامَّة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السَّماء، الذي تتولَّد به الأغذية والأقوات، والأدوية والأدواء، وآلات ذلك كلِّه وأسبابه ومكمِّلاته. وما كان منها من المعادن العُلْويَّة فهي تنزل من الجبال. وما كان منها من الأودية والأنهار والثِّمار فداخلٌ في اللَّفظ على طريق التَّغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعلٍ واحدٍ يتضمَّنهما. وهو معروفٌ من لغة العرب بل وغيرها من الأمم، كقول الشَّاعر:
(٢) كذا بالواو في جميع النسخ إلا ن، وكذا في النسخ المطبوعة إلا نشرتي الفقي والرسالة، والظاهر أن زيادة الواو وهم ينقل البيت إلى الكامل. والرواية دونها على أن البيت من الرجز.
(٣) قال الفراء في «معاني القرآن» (١/ ١٤): «أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه». وفيه (٣/ ١٢٤): «أنشدني بعض بني دُبير». وبنو دبير من بني أسد. وعنه نقل أبو محمد الأنباري في «شرح المفضليات» (ص ٢٤٨) وابن قتيبة في «تأويل المشكل» (ص ٢١٣) والطبري في «التفسير» (١/ ٢٦٤). وذكر صاحب «الخزانة» (٣/ ٤٠) أنه رأى في حاشية نسخة صحيحة من «الصحاح» أنه لذي الرمة، وأنه فتش ديوانه فلم يجده فيه.
(٤) أنشده الفراء في «معانيه» (١/ ١٢١) وأبو عبيدة في «المجاز» (٢/ ٦٨) وعنهما آخرون دون عزو. وإنما وقع العزو في زيادات طبعة رَايت من «الكامل» للمبرد (١/ ٤٣٢) إلى عبد الله بن الزِّبَعْرَى. وانظر: «شعره» صنعة الجبوري (ص ٣٢).