زاد المعاد

أعانهم عليها بالتَّوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفِّرة. وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشَّياطين، أعانهم عليها بجندٍ من الأرواح الطَّيِّبة وهم الملائكة. وكما ابتلاهم بالشَّهوات، أعانهم على قضائها بما يسَّره لهم شرعًا وقدرًا من المشتهيات اللَّذيذة النَّافعة. فما ابتلاهم سبحانه بشيءٍ إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء، ويدفعونه به. ويبقى التَّفاوت بينهم في العلم بذلك، والعلمِ بطريق حصوله والتَّوصُّلِ إليه. وباللَّه المستعان.

فصل

في هديه ﷺ في تضمين مَن طبَّ النَّاس وهو جاهلٌ بالطِّبِّ

روى أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه١ من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تطبَّب ولم يُعلَم منه الطِّبُّ قبل ذلك فهو ضامنٌ».

هذا الحديث يتعلَّق به ثلاثة أمورٍ: أمرٌ لغويٌّ، وأمرٌ فقهيٌّ، وأمرٌ طبِّيٌّ.

  1. (١) «سنن أبي داود» (٤٥٨٦)، «سنن النَّسائيِّ» (٤٨٣٠)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٦٦)، من طريق ابن جُريج، عن عَمرو به. وتوقَّفَ أبو داود في صحَّته، وابنُ جريج مدلِّسٌ وقد عنعن، واختُلفَ عليه؛ فقيل أيضًا: عنه، عن عمرو بن شعيب، عن جدِّه، وقال الدَّارقطنيُّ (٤/ ٢٦٦): «لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم، وغيرُه يرويه عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن النَّبيِّ ﷺ»، وقوَّى ابن حجر المرسلَ في «البلوغ» (١١٩٥). وله شاهدٌ مرسلٌ عند أبي داود (٤٥٨٧) وغيره. وقد صحَّحه الحاكم (٤/ ٢١٢)، وابن دقيق العيد في «الإلمام» (١٤٤٨)، وحسَّنه ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٤٣٨)، وابنُ كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٦٦)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٣٥).
194

فأمَّا اللُّغويُّ١، فالطِّبُّ بكسر الطَّاء في لغة العرب يقال على معانٍ. منها الإصلاح. يقال طبَبته: إذا أصلحته. ويقال٢: له طِبٌّ بالأمور. أي: لطفٌ وسياسةٌ. قال الشَّاعر:

وإذا تغيَّر من تميمٍ أمرُهاكنتُ الطَّبيب لها برأيٍ ثاقبٍ٣

ومنها: الحذق. قال الجوهري٤: كلُّ حاذقٍ طبيبٌ عند العرب. قال أبو عبيد٥: أصل الطِّبِّ: الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرَّجل: طَبٌّ وطبيبٌ: إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض. وقال غيره٦: رجلٌ طبيبٌ أي حاذقٌ سمِّي طبيبًا لحذقه وفطنته.

قال علقمة٧:

فإن تسألوني بالنِّساء فإنَّنيخبيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ
إذا شاب رأسُ المرء أو قلَّ مالُهفليس له في ودِّهنَّ نصيبُ٨
  1. (١) هذا الأمر اللغوي مأخوذ برمَّته من كتاب الحموي (ص ٥١ - ٥٣)، ولم أقف على مصدر الحموي.
  2. (٢) هذا القول في «المثلث» لابن السِّيد (٢/ ٧٩).
  3. (٣) لم أقف عليه. وقد ضبط «كنتُ» بضم التاء في ف، د، ث، ل.
  4. (٤) في «الصحاح» (طبب).
  5. (٥) في «غريب الحديث» (٣/ ٤٠٦).
  6. (٦) انظر: «المعلم» للمازري (٣/ ١٦٢).
  7. (٧) من قصيدة له في «المفضليات» (ص ٣٩٢) و«شرحها» للأنباري (ص ٧٧٣).
  8. (٨) «في ودِّهن» كذا في النسخ والطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «من ودهن».
195

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي