زاد المعاد

لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما. فعلى هذه الأصول السِّتَّة مدار العلاج، وكلُّ طبيبٍ لا تكون هذه آخيَّتَه١ الَّتي يرجع إليها، فليس بطبيبٍ. والله أعلم.

فصل٢

ولمَّا كان للمرض أربعة أحوالٍ: ابتداءٌ وصعودٌ وانتهاءٌ وانحطاطٌ، تعيَّن على الطَّبيب مراعاة كلِّ حالٍ من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها، ويستعمل في كلِّ حالٍ ما يجب استعماله فيها.

فإذا رأى في ابتداء المرض أنَّ الطَّبيعة محتاجة إلى ما يحرِّك الفضلات ويستفرغها لِنُضجها بادَرَ إليه. فإن فاته تحريك الطَّبيعة في ابتداء المرض لعائقٍ منَع من ذلك، أو لضعف القوَّة وعدم احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريطٍ وقع= فينبغي أن يحذر كلَّ الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض، لأنَّه إن فعَله تحيَّرت الطَّبيعة لاشتغالها بالدَّواء، وتخلَّت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلِّيَّة. ومثاله: أن يجيء إلى فارسٍ مشغولٍ بمواقعة عدوِّه، فيشغله عنه بأمرٍ آخر. ولكنَّ الواجب في هذه الحال أن يعين الطَّبيعة على حفظ القوَّة ما أمكنه.

  1. (١) الآخيَّة في اللغة: عروة تثبت في أرض أو حائط وتربط فيها الدابة. وما جاء هنا مَثَلٌ مأخوذ من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ: «مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيَّته، يجول ثم يرجع إلى آخيَّته. وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان» أخرجه الإمام أحمد (١١٥٢٦) وغيره. وقد استعمل المؤلف مثلَ الآخيَّة في غير موضع من كتبه. انظر مثلًا: «أعلام الموقعين» (١/ ٤٤١) و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٧٩).
  2. (٢) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل.
207

فإذا انتهى المرض ووقَف وسكَن أخَذ في استفراغه واستئصال أسبابه. فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك. ومثال هذا: مثال العدوِّ إذا انتهت قوَّته وفرغ سلاحه كان أخذُه سهلًا. فإذا ولَّى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذًا. وحدَّته وشوكته إنَّما هي في ابتدائه وحال استفراغه وُسْعَه وقوَّتَه١، فهكذا الدَّاء والدَّواء سواء.

فصل٢

ومن حذق الطَّبيب أنَّه حيث أمكن التَّدبير الأسهل٣ فلا يعدل إلى الأصعب. ويتدرَّج من الأضعف إلى الأقوى، إلا أن يخاف فوت القوَّة حينئذٍ فيجب أن يبتدئ بالأقوى. ولا يقيم في المعالجة على حالٍ واحدةٍ، فتألفها الطَّبيعة ويقلّ انفعالها عنه. ولا يجسر على الأدوية القويَّة في الفصول القويَّة. وقد تقدَّم أنَّه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدَّواء. وإذا أشكل عليه المرض أحارٌّ هو أم باردٌ، فلا يُقْدِم حتَّى يتبيَّن له. ولا يجرِّبه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضرُّ أثره.

وإذا اجتمعت أمراضٌ بدأ بما تخصُّه واحدةٌ من ثلاث خصالٍ:

إحداها: أن يكون برء الآخر موقوفًا على برئه، كالورم والقرحة فإنَّه يبدأ بالورم.

  1. (١) سقطت واو العطف من «وقوته» من ث، ل، د، فقرئ: «وسعة قوته» كما في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل.
  3. (٣) ن: «بالأسهل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
208

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي