فإذا انتهى المرض ووقَف وسكَن أخَذ في استفراغه واستئصال أسبابه. فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك. ومثال هذا: مثال العدوِّ إذا انتهت قوَّته وفرغ سلاحه كان أخذُه سهلًا. فإذا ولَّى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذًا. وحدَّته وشوكته إنَّما هي في ابتدائه وحال استفراغه وُسْعَه وقوَّتَه١، فهكذا الدَّاء والدَّواء سواء.
فصل٢
ومن حذق الطَّبيب أنَّه حيث أمكن التَّدبير الأسهل٣ فلا يعدل إلى الأصعب. ويتدرَّج من الأضعف إلى الأقوى، إلا أن يخاف فوت القوَّة حينئذٍ فيجب أن يبتدئ بالأقوى. ولا يقيم في المعالجة على حالٍ واحدةٍ، فتألفها الطَّبيعة ويقلّ انفعالها عنه. ولا يجسر على الأدوية القويَّة في الفصول القويَّة. وقد تقدَّم أنَّه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدَّواء. وإذا أشكل عليه المرض أحارٌّ هو أم باردٌ، فلا يُقْدِم حتَّى يتبيَّن له. ولا يجرِّبه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضرُّ أثره.
وإذا اجتمعت أمراضٌ بدأ بما تخصُّه واحدةٌ من ثلاث خصالٍ:
إحداها: أن يكون برء الآخر موقوفًا على برئه، كالورم والقرحة فإنَّه يبدأ بالورم.
(١) سقطت واو العطف من «وقوته» من ث، ل، د، فقرئ: «وسعة قوته» كما في النسخ المطبوعة.
(٢) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل.
(٣) ن: «بالأسهل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
الثَّانية: أن يكون أحدهما سببًا للآخر، كالسُّدَّة والحمَّى العَفَنيَّة١ فإنَّه يبدأ بإزالة السَّبب.
الثَّالثة: أن يكون أحدهما أهمَّ من الآخر، كالحادِّ والمُزْمِن فيبدأ بالحادِّ ومع هذا فلا يغفل عن الآخر. وإذا اجتمع المرَضُ والعرَضُ بدأ بالمرض إلا أن يكون العرَض أقوى كالقُولنج، فيسكِّن الوجعَ أوَّلًا، ثمَّ يعالج السُّدَّة.
وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصَّوم أو النَّوم لم يستفرغه، وكلُّ صحَّةٍ أراد حفظَها حَفِظَها بالمثل أو الشِّبه. وإن أراد نقلَها إلى ما هو أفضل منها نقَلَها بالضِّدِّ.
فصل
في هديه ﷺ في التَّحرُّز من الأدواء المُعْدية بطبعها، وإرشاده الأصحَّاءَ إلى مجانبة أهلها٢
ثبت في «صحيح مسلم»٣ من حديث جابر بن عبد الله أنَّه كان في وفد
(١) ث، ل، د، ن: «العفينة»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «العفنة». والعفنيَّة نسبة إلى العفَن، وقد يقال: حُمَّى العفَن، وهي عندهم كما في «بحر الجواهر» (ص ١٠٦): «أن يسخن الأخلاط أولًا بالعفونة التي تحدث فيها، ثم تتأدى تلك السخونة إلى الروح وجرم القلب، ثم منه إلى سائر الأعضاء».
(٢) انظر: كتاب الحموي (ص ١٤٧ - ١٥٣)، فالأحاديث والكلام على الجذام منقولة منه. وبعض الأقوال في التوفيق بين الأحاديث أيضًا أخذه المؤلف منه ثم بسطه بلفظه.
(٣) برقم (٢٢٣١) ولفظه: «إنا قد بايعناك فارجع». واللفظ المنقول هنا لفظ النسائي في «الكبرى» (٧٥٤٦، ٧٧٥٧، ٨٦٦٢) من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه. وقد قدَّم له الحموي بقوله: «رواه النسائي والترمذي عن جابر، ومسلم في أفراده». وفي كلامه تخليط.