مُصِحٍّ»١، و«فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»٢، وأتاه رجلٌ مجذومٌ ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه البيعةَ، وأمرَه بالانصراف، ولم يأذن له٣. وقال: «الشُّؤم في المرأة والدَّابَّة والدَّار٤»٥. قالوا: وهذا كلُّه مختلفٌ لا يشبه بعضه بعضًا.
قال أبو محمد: ونحن نقول: إنَّه ليس في هذا اختلافٌ. ولكلِّ معنًى منها وقتٌ وموضعٌ، فإذا وُضِع موضعَه زال الاختلاف. والعدوى جنسان:
أحدهما: عدوى الجذام. فإنَّ المجذوم تشتدُّ رائحته حتَّى يُسْقِم من أطال مجالسته ومحادثته. وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم، فتضاجعه في شعارٍ واحدٍ، فيوصل إليها الأذى، وربَّما جُذِمت. وكذلك ولدُه ينزِعون في الكبر إليه. وكذلك مَن كان به سِلٌّ٦ ودِقٌّ٧ ونُقْبٌ٨. والأطبَّاء تأمر أن لا يُجالَس المسلول ولا المجذوم. ولا يريدون بذلك معنى العدوى، وإنَّما
(١) تقدم بلفظ: «ممرض» بدل «ذو عاهة».
(٢) تقدَّم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ز، حط، ن: «والدار والدابة»، وكذا في النسخ المطبوعة وكتاب ابن قتيبة والبخاري (٥٧٥٣).
(٥) أخرجه البخاري (٥٧٥٣) ومسلم (٢٢٢٥) من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) في «بحر الجواهر» (ص ١٦٣): «قرحة في الرئة. وإنما سمي المرض به لأن من لوازمه الهزال، ولما كانت الحمى الدِّقِّية لازمة لهذه القرحة».
(٧) في المصدر السابق (ص ١٠٦): «حمى الدق أن تتشبث الحرارة الخارجة عن الطبع بالأعضاء الأصلية خصوصًا القلب حتى تفنى رطوبات البدن».
(٨) «ونقب» ساقط من النسخ ما عدا الأصل. والنقب: الجرب.
يريدون به معنى تغيُّر الرَّائحة وأنَّها قد تُسقِم من أطال اشتمامَها. والأطبَّاء أبعدُ النَّاس عن الإيمان بيمنٍ وشؤمٍ. وكذلك النُّقبة تكون بالبعير ــ وهو جرَبٌ رطبٌ ــ فإذا خالط الإبلَ أو حاكَّها وأوى في مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه وبالنَّطْفِ نحوُ ما به. فهذا هو المعنى الذي قال فيه النَّبيُّ ﷺ: «لا يُورِدْ ذو عاهةٍ على مُصِحٍّ» كره أن يخالط المعيوهُ١ الصَّحيحَ، لئلَّا يناله من نَطْفِه٢ وحِكَّته٣ نحوٌ ممَّا به.
قال: وأمَّا الجنس الآخر من العدوى، فهو الطَّاعون ينزل ببلدٍ، فيخرج منه خوف العدوى. وقد قال ﷺ: «إذا وقع ببلدٍ وأنتم به فلا تخرجوا منه. وإذا كان ببلدٍ فلا تدخلوه»٤. يريد بقوله: لا تخرجوا من البلد إذا كان فيه، كأنَّكم تظنُّون أنَّ الفرار من قدر الله يُنجيكم من اللَّه. ويريد إذا كان ببلدٍ فلا تدخلوه، أي مقامُكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكَنُ لقلوبكم وأطيَبُ لعيشكم. ومن ذلك المرأةُ تعرَف بالشُّؤم أو الدَّار، فينال الرَّجلَ مكروهٌ أو جائحةٌ فيقول: أعدَتْني بشؤمها. فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «لا عدوى»٥.
وقالت فرقةٌ أخرى٦: بل الأمر باجتناب المجذوم والفرار منه على
(١) أي ذو العاهة. وقد تصحف في جميع النسخ إلى «المعتوه».
(٢) النَّطْف: القَطْر.
(٣) ما عدا ن: «خلقه» بالخاء أو بالحاء أو بالحاء والفاء، وكله تصحيف.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٧٣) ومسلم (٢٢١٨) عن أسامة بن زيد ﵄.