الأسير منهم وعتقَه حلقوا رأسه وأطلقوه. فجاء شيوخ الضَّلال والمزاحمون للرُّبوبيَّة الذين أساسُ مشيختهم على الشِّرك والبدعة، فأرادوا من مريديهم أن يتعبَّدوا لهم، فزيَّنوا لهم حلقَ رؤوسهم لهم١، كما زيَّنوا لهم السُّجود لهم، وسمَّوه بغير اسمه، وقالوا: هو وضع الرَّأس بين يدي الشَّيخ. ولَعَمْرُ الله، إنَّ السُّجود لله هو وضعُ الرَّأس بين يديه سبحانه. وزيَّنوا لهم أن ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم. وهذا هو اتِّخاذهم أربابًا وآلهةً من دون اللَّه.
وأشرفُ العبوديَّة عبوديَّة الصَّلاة. وقد تقاسمها الشَّيوخ والمتشبِّهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشُّيوخ منها أشرفَ٢ ما فيها، وهو السَّجود. وأخذ المتشبِّهون بالعلماء منها الرُّكوع، فإذا لقي بعضهم بعضًا ركَع له كما يركع المصلِّي لربِّه سواءً. وأخذ الجبابرة منها القيامَ، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبوديَّةً لهم وهم جلوسٌ.
وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذه الأمور الثَّلاثة على التَّفصيل، فتعاطيها مخالفةٌ صريحةٌ له. فنهى عن السُّجود لغير الله، وقال: «لا ينبغي لأحدٍ أن
(١) «لهم» ساقط من د.
(٢) ز: «منها ما هو أشرف» بزيادة «ما هو». وفي س: «الشيوخُ أفضلَ».
يسجد لأحدٍ»١. وأنكر على معاذ لمَّا سجَد له وقال: «مه!»٢.
وتحريم هذا معلومٌ من دينه بالضَّرورة. وتجويزُ من جوَّزه لغير الله مراغَمةٌ لله ورسوله. وهو من أبلغ أنواع العبوديَّة، فإذا جوَّز هذا المشركُ هذا النَّوعَ للبشر فقد جوَّز عبوديَّة غير اللَّه.
وقد صحَّ عنه أنَّه قيل له: الرَّجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: «لا». قيل: أيلتزمه ويقبِّله؟ قال: «لا». قيل: أيصافحه؟ قال: «نعم»٣.
وأيضًا فالانحناء عند التَّحيَّة سجود. ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ
(١) أخرجه ابن حبَّان (٤١٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وهو في التِّرمذيِّ (١١٥٩)، والبيهقيِّ في «الكبرى» (٧/ ٢٩١)، لكن ليس عندهما هذا اللَّفظُ. قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن غريب من هذا الوجه»، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (١٩٩٨). وفي الباب عن عددٍ من الصَّحابة ﵃.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣)، وأحمد (١٩٤٠٣)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ٢٩٢)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: لمَّا قدم معاذٌ من الشَّام سجَد للنَّبيِّ ﷺ ... وفيه قوله ﷺ: «فلا تفعلوا» الحديثَ. وفي إسناده اختلاف، وقد صحَّحه ابن حبَّان (٤١٧١)، والضِّياء في «المختارة» (١٣/ ١٢٤ - ١٢٥)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٥٦). وله شواهد كثيرةٌ.
(٣) أخرجه التِّرمذيُّ (٢٧٢٨) وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه (٣٧٠٢)، وأحمد (١٣٠٤٤)، والبزَّار (٧٣٦٠ - ٧٣٦٢)، وأبو يعلى (٤٢٨٧، ٤٢٨٩)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ٣٤١)، وغيرهم، من حديث أنس بن مالك ﵁. وضعَّفه أحمد واستنكره كما في مسائل ابنه صالح (٣/ ١٦٠)، وقال البيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ١٠٠): «تفرَّد به حنظلة السَّدوسيُّ، وكان قد اختلَط، تركه يحيَى القطَّان لاختلاطه»، وليَّن الحديثَ الذَّهبيُّ في «المهذَّب» (٥/ ٢٦٧٧)، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٦٠).