يسجد لأحدٍ»١. وأنكر على معاذ لمَّا سجَد له وقال: «مه!»٢.
وتحريم هذا معلومٌ من دينه بالضَّرورة. وتجويزُ من جوَّزه لغير الله مراغَمةٌ لله ورسوله. وهو من أبلغ أنواع العبوديَّة، فإذا جوَّز هذا المشركُ هذا النَّوعَ للبشر فقد جوَّز عبوديَّة غير اللَّه.
وقد صحَّ عنه أنَّه قيل له: الرَّجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: «لا». قيل: أيلتزمه ويقبِّله؟ قال: «لا». قيل: أيصافحه؟ قال: «نعم»٣.
وأيضًا فالانحناء عند التَّحيَّة سجود. ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ
(١) أخرجه ابن حبَّان (٤١٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وهو في التِّرمذيِّ (١١٥٩)، والبيهقيِّ في «الكبرى» (٧/ ٢٩١)، لكن ليس عندهما هذا اللَّفظُ. قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن غريب من هذا الوجه»، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (١٩٩٨). وفي الباب عن عددٍ من الصَّحابة ﵃.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣)، وأحمد (١٩٤٠٣)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ٢٩٢)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: لمَّا قدم معاذٌ من الشَّام سجَد للنَّبيِّ ﷺ ... وفيه قوله ﷺ: «فلا تفعلوا» الحديثَ. وفي إسناده اختلاف، وقد صحَّحه ابن حبَّان (٤١٧١)، والضِّياء في «المختارة» (١٣/ ١٢٤ - ١٢٥)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٥٦). وله شواهد كثيرةٌ.
(٣) أخرجه التِّرمذيُّ (٢٧٢٨) وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه (٣٧٠٢)، وأحمد (١٣٠٤٤)، والبزَّار (٧٣٦٠ - ٧٣٦٢)، وأبو يعلى (٤٢٨٧، ٤٢٨٩)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ٣٤١)، وغيرهم، من حديث أنس بن مالك ﵁. وضعَّفه أحمد واستنكره كما في مسائل ابنه صالح (٣/ ١٦٠)، وقال البيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ١٠٠): «تفرَّد به حنظلة السَّدوسيُّ، وكان قد اختلَط، تركه يحيَى القطَّان لاختلاطه»، وليَّن الحديثَ الذَّهبيُّ في «المهذَّب» (٥/ ٢٦٧٧)، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٦٠).
سُجَّدًا﴾١[النساء: ١٥٤] أي منحنين، وإلَّا فلا يمكن الدَّخول على الجباه.
وصحَّ عنه النَّهي عن القيام وهو جالسٌ، كما تعظِّم الأعاجم بعضها بعضًا، حتَّى منَع من ذلك في الصَّلاة. وأمرَهم إذا صلَّى جالسًا أن يصلُّوا جلوسًا، وهم أصحَّاء لا عذر لهم، لئلَّا يقوموا على رأسه وهو جالسٌ، مع أنَّ قيامهم للَّه، فكيف إذا كان القيام تعظيمًا وعبوديَّةً لغيره سبحانه؟
والمقصود: أنَّ النُّفوس الجاهلة الضَّالَّة أسقطت عبوديَّة الله سبحانه وأشركت فيها مَن تعظِّمه من الخلق، فسجَدت لغير اللَّه، وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصَّلاة، وحلفت بغيره، ونذرت لغيره، وحلقت لغيره، وذبحت لغيره، وطافت بغير بيته٢. وعظَّمته بالحبِّ والخوف والرَّجاء والطَّاعة كما يعظَّم الخالق، بل أشدُّ! وسوَّت من تعبده من المخلوقين بربِّ العالمين. وهؤلاء هم المضادُّون لدعوة الرُّسل، وهم الذين بربَّهم يعدِلون، وهم الذين يقولون وهم في النَّار مع آلهتهم يختصمون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. وهم الذين قال فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٦٥]. وهذا كلُّه من الشِّرك، والله لا يغفر أن يشرك به٣.
فهذا فصلٌ معترضٌ في هديه في حلق الرَّأس، ولعلَّه أهمُّ ممَّا قُصِد الكلام فيه. والله الموفِّق.
(١) كذا «ادخلوا» دون الواو قبله في جميع النسخ الخطية.
(٢) في النسخ المطبوعة: «لغير بيته».
(٣) نبه بعض القراء في هامش ث على أن المصنف لم يذكر النوع الثالث من أنواع الحلق وهو الحلق للحاجة والدواء.