ورأى جماعةٌ من السَّلف أن تُكتَب له الآيات من القرآن، ثمَّ يشربها. فقال مجاهد: لا بأس أن يكتبَ القرآن ويغسِلَه ويسقيَه المريضَ١. ومثله عن أبي قِلابة٢.
ويذكر عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أمر أن يكتب لامرأةٍ تعسَّر عليها وِلادُها آيتين٣ من القرآن، ثمَّ تُغسَل٤ وتُسْقى٥.
وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتابًا من القرآن، ثمَّ غسَله بماء، وسقاه رجلًا كان به وجعٌ٦.
فصل
ومنها: أن يؤمر العائن بغسل مغابنه، وأطرافه، وداخلة إزاره. وفيه٧ قولان. أحدهما: أنَّه فرجه. والثَّاني: أنَّه طرف إزاره الدَّاخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن٨. ثمَّ يُصَبُّ على رأس المَعِين من خلفه بغتةً.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٧٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٧٦).
(٣) في طبعة الرسالة: «أثر»، وهو تصحيف تابعت فيه الطبعات السابقة خلافًا لأصلها.
(٤) «تغسل» ساقط من س.
(٥) أخرجه بمعناه ابن أبي شيبة (٢٣٩٧٤)، والبيهقيُّ في «الدَّعوات الكبير» (٥٦٥). وفي إسناده محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى سيِّئ الحفظ جدًّا. ويُروى مرفوعًا، ولا يثبُت أيضًا.
(٦) أخرجه عبد الرَّزَّاق (٢٠١٧٠).
(٧) يعني: في معنى داخلة الإزار.
(٨) ذكر القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٧/ ٨٣) أن جمهور العلماء على هذا.
وهذا ممَّا لا يناله علاج الأطبَّاء، ولا ينتفع به مَن أنكره، أو سَخِر منه، أو شكَّ فيه، أو فعَله مجرِّبًا لا يعتقد أنَّ ذلك ينفعه١. وإذا٢ كان في الطَّبيعة خواصُّ لا تعرف الأطبَّاء عللها البتَّة، بل هي عندهم خارجةٌ عن قياس الطَّبيعة، تفعل بالخاصِّيَّة٣، فما الذي تنكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواصِّ الشَّرعيَّة!
هذا مع أنَّ في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصَّحيحة وتُقِرُّ بمناسبته. فاعلم أنَّ تِرْياقَ سَمِّ الحيَّة في لحمها، وأنَّ علاج تأثير النَّفس الغضبيَّة في تسكين غضبها، وإطفاء ناره بوضع يدك عليه، والمسح عليه، وتسكين غضبه. وذلك بمنزلة رجلٍ معه شعلةٌ من نارٍ، وقد أراد أن يقذفك بها، فصببتَ عليها الماء، وهي في يده حتَّى طفئت.
ولذلك أمر العائن أن يقول: «اللَّهمَّ بارك عليه»، ليدفع تلك الكيفيَّة الخبيثة بالدُّعاء الذي هو إحسانٌ إلى المَعِين، فإنَّ دواء الشَّيء بضدِّه. ولمَّا كانت هذه الكيفيَّة الخبيثة تظهر في المواضع الرَّقيقة من الجسد، لأنَّها تطلب النُّفوذ، فلا تجد أرقَّ من المغابن وداخلة الإزار، ولا سيَّما إن كان كنايةً عن الفرج. فإذا غُسِلتْ بالماء بطل تأثيرُها وعملُها. وأيضًا فهذه المواضع للأرواح الشَّيطانيَّة بها اختصاصٌ. والمقصود: أنَّ غسلها بالماء يطفئ تلك النَّاريَّة، ويذهب بتلك السَّمِّيَّة.
(١) د: «لا ينفعه»، وأشير إلى هذه النسخة في هامش ز. وهو خطأ.
(٢) ل: «وإن».
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وقد أثبتها الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٠٥) على هذا الوجه: «... بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما تفعل بالخاصية».