ذلك الموضع من ذقنه ليردَّ العين. قال: ومن هذا حديث عائشة أنَّ رسول الله ﷺ خطب ذات يومٍ، وعلى رأسه عمامةٌ دَسْماء١. أي: سوداء. أراد الاستشهاد على اللَّفظة.
ومن هذا أخذ الشَّاعر قوله٢:
ما كان أحوجَ ذا الكمالِ إلىعيبٍ يوقِّيه من العينِ٣
ومن الرُّقى الَّتي تردُّ العين ما ذُكِر عن أبي عبد الله النِّباجي٤ أنَّه كان في بعض أسفاره للحجِّ أو الغزو على ناقةٍ فارهةٍ، وكان في الرُّفقة رجلٌ عائنٌ قلَّما نظر إلى شيءٍ إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال:
(١) لم أقف عليه من مسند عائشة ﵂. وأخرج البخاريُّ (٣٦٢٨)، والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل» (١١٩) واللَّفظ له، عن ابن عبَّاس - ﵄ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطب النَّاس وعليه عصابةٌ دسماءُ. وأخرج مسلم (١٣٥٨) عن عمرو بن حُريث ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ خطب النَّاس وعليه عمامةٌ سوداءُ.
(٢) من أربعة أبيات في «ديوان كشاجم» (ص ٣٨٦).
(٣) أثبتوا بعده في طبعة عبد اللطيف عنوان «فصل» خلافًا للطبعة الهندية، وتبعتها الطبعات اللاحقة ومنها طبعة الرسالة!
(٤) في ف، د بالحاء المهملة، وقد وضع ناسخ ف حاء صغيرة تحتها. وفي س: «الساجي» مع علامة الإهمال على السين. وفي حط: «الباجي». وأهمله ناسخا ث، ل. وفي طبعة الرسالة: «الساجي» خلافًا لأصلها. والصواب ما أثبت. وكذا كان في ن فيما يظهر، ثم غيَّره بعضهم إلى «الساجي»! وهو منسوب إلى النِّباج، قرية في بادية البصرة على النصف من طريق مكة. وهو سعيد بن بُرَيد التميمي الزاهد، ممن أخذ عن الفضيل بن عياض. انظر: الأنساب» للسمعاني (١٣/ ٢٤) و«الإكمال» لابن ما كولا (٧/ ٢٨٥) و«توضيح المشتبه» (٩/ ٢٦) وترجمته في «تاريخ الإسلام» للذهبي (٥/ ٣٢٠).
ليس له إلى ناقتي سبيلٌ. فأُخبِر العائنُ بقوله، فتحيَّن غَيبةَ أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى النَّاقة، فاضطربت وسقطت. فجاء أبو عبد الله، فأُخبِرَ أنَّ العائن قد عانها، وهي كما ترى. فقال: دلُّوني عليه. فدُلَّ، فوقف عليه، وقال: بسم الله حبسٌ حابسٌ، وحجرٌ يابسٌ، وشهابٌ قابسٌ. رددتُ عينَ العائن عليه، وعلى أحبِّ النَّاس إليه ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ٣ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾[الملك: ٣ - ٤].
فخرجت حدَقتا العائن، وقامت النَّاقة لا بأس بها١.
فصل
في هديه ﷺ في العلاج العامِّ لكلِّ شكوى بالرُّقية الإلهيَّة
روى أبو داود في «سننه»٢ من حديث أبي الدَّرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اشتكى منكم شيئًا٣ فليقل: ربُّنا اللهُ الذي في السَّماء. تقدَّس اسمُك، أمرُك في السَّماء والأرض، كما رَحْمتُك في السَّماء، فاجعل رحمتَك في الأرض، واغفر لنا حُوبنا وخطايانا. أنت ربُّ الطَّيِّبين، أنزِلْ رحمةً
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣١٦ - ٣١٧)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢١/ ٢١)، وفيهما زيادة قبل الآية.
(٢) برقم (٣٨٩٢). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٨٠٩، ١٠٨١٠)، والبزَّار (٤٠٨٠)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٠٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٨٦٣٦)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ١٤٥). وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢١٩)، وحسَّنه ابن تيميَّة كما في «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٣٩)، لكن في سنده زيادة بن محمَّد وهو منكر الحديث، واختُلف في إسناده.
(٣) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «أو اشتكاه أخٌ له»، وكأن بعضهم زادها من «السنن» في بعض النسخ المتأخرة التي طبعت عنها الطبعة الهندية.