وصارت تعدل ثلثَ القرآن. ففي اسمه «الصَّمد» إثباتُ كلِّ كمال١، وفي نفي الكفء التَّنزيهُ عن الشَّبيه والمثال، وفي «الأحد» نفيُ كلِّ شريكٍ لذي الجلال. وهذه الأصول الثَّلاثة هي مجامع التَّوحيد.
وفي المعوِّذتين: الاستعاذة من كلِّ مكروهٍ جملةً وتفصيلًا. فإنَّ الاستعاذة من شرِّ ما خَلَق تعُمُّ كلَّ شرٍّ يستعاذ منه، سواءٌ كان في الأجسام أو الأرواح. والاستعاذةُ من شرِّ الغاسق ــ وهو اللَّيل وآيتِه ــ وهو القمر إذا غاب ــ تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة الَّتي كان نور النَّهار يحول بينها وبين الانتشار، فلمَّا أظلم عليها٢ اللَّيل وغاب القمر انتشرت وعاثت. والاستعاذةُ من شرِّ النَّفَّاثات في العُقَد يتضمَّن٣ الاستعاذةَ من شرِّ السَّواحر وسحرهنَّ. والاستعاذةُ من شرِّ الحاسد يتضمَّن الاستعاذةَ من النُّفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها. والسُّورة الثَّانية تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ شياطين الإنس والجنِّ. فقد جمعت السُّورتان الاستعاذةَ من كلِّ شرٍّ.
ولهما شأنٌ عظيمٌ في الاحتراس والتَّحصُّن من الشُّرور قبل وقوعها. ولهذا أوصى النَّبيُّ ﷺ عُقْبة بن عامرٍ بقراءتهما عقيبَ٤ كلِّ صلاةٍ. ذكره الترمذي في «جامعه»٥. وفي هذا سرٌّ عظيمٌ في استدفاع الشُّرور من الصَّلاة
(١) في حط، ن: «الكمال».
(٢) ث، ل: «عليه».
(٣) لم ينقط حرف المضارع في الأصل (ف) هنا وفيما بعد، وفي معظم النسخ ما أثبت.
(٤) ل: «عقب».
(٥) برقم (٢٩٠٣) وقال: «هذا حديث حسن غريب». وأخرجه أيضًا أبو داود (١٥٢٣)، والنَّسائيُّ (١٣٣٦)، وأحمد (١٧٤١٧، ١٧٧٩٢)، وغيرهم. وصحَّحه ابن خزيمة (٧٥٥)، وابن حبَّان (٢٠٠٤)، والحاكم (١/ ٢٥٢)، وقال الذَّهبيُّ في «الميزان» (٤/ ٤٣٣): «حسن غريب»، وصحَّحه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٩٠).
إلى الصَّلاة. وقال: «ما تعوَّذ المتعوِّذون بمثلهما»١. وقد ذُكِر أنَّه ﷺ سُحِر في إحدى عشرة عقدةً، وأنَّ جبريل نزل عليه بهما. فجعل كلَّما قرأ آيةً منهما انحلَّت عقدةٌ، حتَّى انحلَّت العقد كلُّها، وكأنَّما نُشِط من عقالٍ٢.
وأمَّا العلاج الطَّبيعيُّ فيه، فإنَّ في الملح نفعًا لكثيرٍ من السُّموم، ولا سيَّما لدغة العقرب. قال صاحب «القانون»٣: يضمَّد به مع بِزْر الكتَّان للسع العقرب. وذكره غيره أيضًا٤. وفي الملح من القوَّة الجاذبة المحلِّلة ما
(١) هذا جزء حديث عقبة بن عامر ﵁، رواه الحميدي (٨٧٤) وأبو داود (١٤٦٣) والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٢٧) والطبراني (١٧/ ٣٤٥) والبيهقي (٢/ ٣٩٤)، وعندهم اللفظ «تعوذ متعوذٌ»، ولفظ «المتعوذون» لم أجده إلا عند الدولابي في «الكنى والأسماء» (٢/ ٥٥٣).
(٢) أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (٢/ ١٩٨) من طريق جُوَيبر، عن الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاس - ﵄ - بنحوه، وجويبر ضعيفٌ جدًّا، وأعلَّه ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٣٦) وفي «التَّلخيص الحبير» (٤/ ٧٦) بالانقطاع. وأخرجه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (٦/ ٢٤٨) من طريق محمَّد بن السَّائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ومحمَّد بن السَّائب هو الكلبيُّ متَّهمٌ بالكذب. وأخرجه البيهقيُّ أيضًا في «الدَّلائل» (٧/ ٩٢ - ٩٤) من حديث عائشة ﵂ بنحوه، وفي إسناده محمَّد بن عبيد الله العرزميُّ وهو متروكٌ، وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦/ ٦١٨) .. وأورده الثَّعلبيُّ في «الكشف والبيان» (١٠/ ٣٣٨) عن ابن عبَّاس وعائشة بلا إسنادٍ، قال ابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٥٣٨): «فيه غرابةٌ، وفي بعضه نكارةٌ شديدةٌ».
(٣) في فصل الأطلية والأضمدة (٣/ ٣٣٠) والنقل من كتاب الحموي (ص ١٢٨).
(٤) قال الحموي: «وكذا ذكره الغافقي وغيرهما». وانظر: «الحاوي» للرازي (٥/ ٢٩٠).