قد تقدَّم قوله: «لا رقية إلا في عينٍ أو حُمَةٍ». الحُمَة١: بضمِّ الحاء وفتح الميم وتخفيفها. وفي «سنن ابن ماجه»٢ من حديث عائشة: رخَّص رسول الله ﷺ في الرُّقية من الحيَّة والعقرب.
ويذكر عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ قال: لدغ بعض أصحاب رسول الله ﷺ حيَّةٌ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «هل من راقٍ؟». فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّ آل حزمٍ كانوا يرقُون رقية الحيَّة، فلمَّا نهيتَ عن الرُّقى تركوها. فقال: «ادعُوا عُمارةَ بن حزم». فدعَوه، فعرض عليه رُقَاه، فقال: «لا بأس بها». فأذِن له فيها فرَقاه٣.
(١) لفظ «الحمة» ساقط من د. وفي س، ل: «والحمة».
(٢) برقم (٣٥١٧). وأخرجه بهذا اللَّفظ أيضًا الطَّيالسيُّ (١٤٩٨)، والطَّحاويُّ في «معاني الآثار» (٤/ ٣٢٦)، وصحَّحه ابن حبَّان (٦١٠١). وهو في البخاريِّ (٥٧٤١)، ومسلم (٢١٩٣)، بلفظ: «رخَّص النَّبيُّ ﷺ في الرُّقية من كلِّ ذي حُمة».
(٣) كتاب الحموي (ص ٢٨١ - ٢٨٢). وقد أخرجه عبد الرَّزَّاق (١٩٧٦٧) ــ ومن طريقه الحازميُّ في «الاعتبار» (ص ٢٣٩) ــ عن معمر، عن الزُّهريِّ بنحوه، وهذا مرسلٌ. وأخرج مسلم (٢١٩٩/ ٦٣) من حديث جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرُّقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنَّه كانت عندنا رقيةٌ نرقي بها من العقرب، وإنَّك نهيت عن الرُّقى! قال: فعرضوها عليه، فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه».
فصل
في هديه ﷺ في رقية القُرحة والجُرح١
أخرجا في «الصَّحيحين»٢ عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى الإنسانُ أو كانت به قُرحةٌ أو جُرحٌ قال بإصبعه: هكذا ــ ووضع سفيان سبَّابته بالأرض، ثمَّ رفعها ــ وقال: «بسم الله، تربةُ أرضنا، بريقة بعضِنا، لَيُشْفَى سقيمُنا، بإذن ربِّنا».
هذا من العلاج السهل٣ الميسَّر النَّافع المركَّب. وهي معالجةٌ لطيفةٌ تعاَلج بها القروح والجراحات الطَّريَّة، لا سيَّما عند عدم غيرها من الأدوية، إذ كانت موجودةً بكلِّ أرضٍ. وقد عُلِم أنَّ طبيعة التُّراب الخالص باردةٌ يابسةٌ مجفِّفةٌ لرطوبات القروح والجراحات الَّتي تمنع الطَّبيعةَ من جودة فعلها وسرعة اندمالها، لا سيَّما في البلاد الحارَّة، وأصحاب الأمزجة الحارَّة. فإنَّ القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوءُ مزاجٍ حارٍّ فتجتمع حرارةُ البلد والمزاج والجراح. وطبيعة التُّراب الخالص باردةٌ يابسةٌ أشدُّ من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة، فتقابل برودةُ التُّراب حرارةَ المرض، لا سيَّما إن كان التُّرابُ قد غُسِل وجُفِّف. ويتبعها أيضًا كثرةُ الرُّطوبات الرَّديَّة والسَّيلان، والتُّراب مجفِّفٌ لها، مزيلٌ بشدَّة٤ يبسه وتجفيفه للرُّطوبة الرَّديَّة المانعة من برئها٥. ويحصل