ولتقرير هذه المسألة، وبسط الاحتجاج فيها، وتقرير أن جواز مثل هذا هو مقتضى الأصول والقياس= موضع آخر، وإنما نبَّهنا عليها تنبيهًا١.
ثم تزوَّج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوَّج بها. تزوَّجها بمكة في عمرة القضاء بعد أن حلَّ منها على الصحيح.
وقيل: قبل إحلاله. هذا قول ابن عباس، ووهم ﵁، فإن السفير بينهما في النكاح أعلَمُ الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوَّجها حلالًا، وقال: «أنا كنت السفير بينهما»٢. وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائبًا عن القصة لم يحضرها. وأبو رافع رجل بالغ، وعلى يده دارت القصة وهو أعلَم بها. ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجِب للتقديم٣. وماتت أيامَ معاوية، وقبرها بسَرِف.
قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيد النَّضَريَّة، وقيل: القُرَظيَّة، سُبيت يوم بني قريظة، فكانت صفيَّ رسول الله ﷺ، فأعتقها وتزوَّجها، ثم طلَّقها
(١) وانظر ما يأتي في غزوة خيبر (٣/ ٤١٩) وأقضية النبي ﷺ (٥/ ٢١٧) و«جلاء الأفهام» (ص ٢٩١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٧١٩٧) والترمذي (٨٤١) والنسائي في «الكبرى» (٥٣٨١) كلهم بلفظ: «الرسول بينهما». وفيه مطر الوراق، فيه لين، وقد وصله. وقد أخرجه مالك (١/ ٣٤٨) مرسلًا، كما أشار إليه النسائي عقب إخراجه الحديث. ورجح البخاري في «العلل الكبير» (ص ١٣٨) كونه من مرسل يزيد بن الأصم. وسيأتي الكلام على جميع الروايات حيث يذكر المؤلف المسألة بتمامها في فصل عمرة القضية (٣/ ٤٤٨ - ٤٥١).
تطليقةً، ثم راجعها. وقالت طائفة: بل كانت أمته، فكان يطؤها بملك اليمين حتى توفِّي عنها، فهي معدودة في السَّراريِّ لا في الزوجات.
والقول الأول اختيار الواقدي١ ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي وقال: هو الأثبت عند أهل العلم٢. وفيما قاله نظر، فإن المعروف أنها من سراريِّه وإمائه، والله أعلم.
فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بهن. وأما من خطبها ولم يتزوَّجها، ومن وهبت نفسَها له فلم يتزوَّجها؛ فنحو أربع أو خمس. وقال بعضهم٣: هن ثلاثون امرأةً، وأهل العلم بالسيرة وأحواله ﷺ لا يعرفون هذا، بل ينكرونه.
والمعروف عندهم أنه بعَث في الجَونية٤ ليتزوَّجها، فدخل عليها ليخطبها، فاستعاذت منه، فأعاذها ولم يتزوَّجها. وكذلك الكلبية. وكذلك
(١) في «مغازيه» (٢/ ٥٢١) ونقل ابن سعد في «الطبقات» (١٠/ ١٢٧) قوله: «وهذا ما روي لنا في عتقها وتزويجها، وهو أثبت الأقاويل عندنا، وهو الأمر عند أهل العلم».
(٢) انظر: «مختصره في السيرة» (ص ٦٢). ولفظه: «والقول الأول أثبت الأقاويل عند محمد بن عمر، وهو الأمر عند أهل العلم». وقد رأيت آنفًا أن الجزء الأخير من هذا النص من كلام الواقدي أيضًا.
(٣) وهو الحافظ الدمياطي ــ وتابعه ابن جماعة ــ قال في «مختصره» (ص ٦٦): «... فثلاثون امرأة على اختلاف في بعضهن، ذكرناهن في كتاب أبسط من هذا». وانظر فيهن «عيون الأثر» (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) و«الإشارة» لمغلطاي (ص ٤٠٥ - ٤١٣) و«سبل الهدى والرشاد» (١١/ ٢٢١ - ٢٣٦).