ومن علاجها: أن يعلم أنَّ أنفعَ الأدوية له موافقةُ ربِّه وإلهه فيما أحبَّه ورضيه له، وأنَّ خاصِّيَّة المحبَّة وسرَّها موافقةُ المحبوب. فمن ادَّعى محبَّة محبوبٍ ثمَّ سخِط ما يحبُّه وأحبَّ ما يُسْخِطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، وتمقَّتَ إلى محبوبه.
قال أبو الدَّرداء: إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به١.
وكان عمران بن حُصينٍ يقول في علَّته: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه٢. وكذلك قال أبو العالية٣.
(١) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الرِّضا عن الله» (٦، ٤٧) وفي «المحتضرين» (١٢٥)، وابن زبر في «وصايا العلماء» (ص ٥٥ - ٥٦).
(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزُّهد» (٤٦١، ٤٦٢)، وابن سعد في «الطَّبقات» (٤/ ٤٩٠)، وابن أبي شيبة (٣٥٨٣٨)، وأحمد في «الزُّهد» (٨٠٤)، وابن أبي الدُّنيا في «الرِّضا عن الله» (٦٠، ٦١)، والطَّبراني في «الكبير» (١٨/ ١٠٤)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٩٤٩٩، ٩٥٠٠). قال الهيثميُّ في «المجمع» (٢/ ٣٠٢): «رواه الطَّبراني في الكبير، وإسناده حسن».
(٣) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الرِّضا عن الله» (٣٩)، وفي «المرض» (٢٠٦)، وفي «المحتضرين» (٣٠٨).
وهذا دواءٌ وعلاجٌ لا يعمل إلا مع المحبِّين، ولا يمكن كلَّ أحدٍ أن يتعالج به.
ومن علاجها: أن يوازن بين أعظم اللَّذَّتين والتمتُّعَين١ وأدوَنِهما٢: لذَّة تمتُّعه بما أصيب به، ولذَّة تمتُّعه بثواب الله له. فإن ظهر له الرُّجحانُ، فآثر الرَّاجحَ، فليحمد الله على توفيقه. وإن آثر المرجوحَ من كلِّ وجهٍ، فليعلم أنَّ مصيبته في عقله وقلبه ودينه أعظَمُ من مصيبته الَّتي أصيب بها في دنياه.
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ الذي ابتلاه بها٣: أحكم الحاكمين، وأرحم الرَّاحمين؛ وأنَّه سبحانه لم يرسل إليه البلاء لِيُهلكه به، ولا ليعذِّبه٤، ولا ليجتاحَه. وإنَّما افتقده به ليمتحن صبرَه ورضاه عنه وإيمانه، وليسمعَ تضرُّعه وابتهالَه، وليراه طريحًا ببابه، لائذًا بجنابه، مكسورَ القلب بين يديه، رافعًا قصصَ الشَّكوى إليه.
قال الشيخ عبد القادر: يا بُنيَّ، إنَّ المصيبة ما جاءت لِتُهلكك، وإنَّما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك. يا بُنيَّ، القدرُ سَبُعٌ، والسَّبُع لا يأكل الميتة٥.
والمقصود: أنَّ المصيبة كِيرُ العبد الذي يُسبَك به حاصله، فإمَّا أن يخرج
(١) ث: «النعمتين». وفي ل: «النعيمين»، وكلاهما تصحيف.
(٢) هذا في الأصل (ف) وس. وفي غيرهما والنسخ المطبوعة: «وأدومهما» من الدوام، ولعله تصحيف.
(٣) بعده في ز: «هو»، وأخشى أن يكون زيادة من بعض القراء.