ومن هاهنا قال من قال من السَّلف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ١ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾[التكاثر: ٨] قال٢: عن الصِّحَّة.
وفي «مسند الإمام أحمد»٣ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للعباس: «يا عباسُ، يا عمَّ رسول اللَّه، سَلِ الله العافية في الدُّنيا والآخرة».
وفيه٤ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سَلُوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحدٌ بعد اليقين خيرًا من العافية». فجمع بين عافيتي الدِّين والدُّنيا. ولا يتمُّ صلاح العبد في الدَّارين إلا باليقين والعافية.
(١) ما عدا حط: «ولتسألن»، وقد أصلح بعضهم في ز، س، ث. وفي مخطوطة كتاب الحموي ــ وهو مصدر النقل ــ أيضًا: «ولتسألن» كما في الأصل وغيره.
(٢) في كتاب الحموي: «قال سعيد» يعني سعيد بن جُبير. وهذا أول أثر في التفسير المطبوع بعنوان «الجزء فيه تفسير القرآن ليحيى بن يمان و... برواية أبي جعفر الترمذي. وقد نقله يحيى بن اليمان بسنده من «تفسير سعيد» (ص ٣٣).
(٣) بالأرقام (١٧٦٦، ١٧٦٧، ١٧٨٣). وأخرجه أيضًا التِّرمذيُّ (٣٥١٤)، والحميديُّ (٤٦١)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٧٢٦)، والبزَّار (١٣١٢ - ١٣١٤)، وأبو يعلى (٦٦٩٦، ٦٦٩٧)، وغيرهم. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث صحيحٌ»، وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (٨/ ٣٧٨ - ٣٨١)، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤/ ٢٩).
(٤) بالأرقام (٥، ١٧، ٣٤، ٤٤). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٦٤٩ - ١٠٦٥٨)، وابن ماجه (٣٨٤٩)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٧٢٤)، والبزَّار (٢٣، ٢٤)، وأبو يعلى (١٢١ - ١٢٤)، وغيرهم. وقد اختُلف في إسناده، ورجَّح الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١/ ٢٣٣) انقطاعه، وصحَّحه ابن حبَّان (٩٥٠، ٩٥٢)، والحاكم (١/ ٥٢٩)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (١٢/ ٤١٨ - ٤١٩)، والضِّياء في «المختارة» (١/ ١٥٧، ١٦٢ - ١٦٤)، وحسَّنه ابن حجر في «الإمتاع» (ص ١٧).
فاليقين يدفع عنه عقوباتِ الآخرة، والعافيةُ تدفع عنه أمراض الدُّنيا في قلبه وبدنه.
وفي «سنن النَّسائيِّ»١ من حديث أبي هريرة يرفعه: «سَلُوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحدٌ بعد يقينٍ خيرًا من معافاةٍ». وهذه الثَّلاثة تتضمَّن إزالة الشُّرورِ الماضيةِ بالعفو، والحاضرةِ بالعافية، والمستقبَلةِ بالمعافاة؛ فإنَّها تتضمَّن المداومة والاستمرار على العافية٢.
وفي «الترمذي»٣ مرفوعًا: «ما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه من العافية».
وقال عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبي الدَّرداء قلت: يا رسول اللَّه، لأن أُعافى فأشكُرَ أحبُّ إليَّ من أن أُبتلَى فأصبِر. فقال رسول الله ﷺ: «ورسول الله يحبُّ معك العافية»٤.
(١) هو في «السُّنن الكبرى» (١٠٦٥١) بهذا اللَّفظ، لكن من حديث أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، وليس من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه أيضًا بهذا اللَّفظ من حديث أبي بكر ﵁ الطَّبراني في «مسند الشَّاميِّين» (٥٧٩). وهذا أحد ألفاظ الحديث السَّابق.
(٢) انظر هذا التفسير في كتابه «عدة الصابرين» (ص ٢٧١) أيضًا.
(٣) بالرقمين (٣٥١٥، ٣٥٤٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٩٧٩٦)، والدِّينوريُّ في «المجالسة» (١٥٦٧)، والحاكم (١/ ٤٩٧) وصحَّحه. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلَّا من حديث عبد الرَّحمن بن أبي بكر القرشيِّ، وهو ضعيف في الحديث، ضعَّفه بعض أهل العلم من قِبل حفظه»، وبه ضعَّفه المنذريُّ في «التَّرغيب» (٤/ ١٣٨)، وقال ابن حجر في «بذل الماعون» (ص ٣٤٦): «صحَّحه الحاكم فوهم؛ فإنَّ في سنده ضعفًا».
(٤) كتاب الحموي (ص ٢٢٨). وقد أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» (٣١٠٢) وفي «الصَّغير» (٣٠٤)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (١١٢). وهذا حديث باطلٌ؛ في إسناده إبراهيم بن البراء، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ٤٥): «يحدِّث عن الثِّقات بالبواطيل»، وقال ابن عديٍّ في «الكامل» (١/ ٤١١): «أحاديثه التي ذكرتُها وما لم أذكرها كلُّها مناكير موضوعة، ومن اعتبر حديثَه علم أنَّه ضعيف جدًّا، وهو متروك الحديث»، وبه ضعَّفه الهيثميُّ في «المجمع» (٢/ ٢٩٠)، وقال ابن حجر في «اللِّسان» (١/ ٣٨): «حديثٌ منكر»، وحكم الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٩٨٢) بوضعه.