زاد المعاد

ويذكر عن ابن عبَّاسٍ أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النبي١ ﷺ، فقال له٢: ما أسأل الله بعد الصَّلوات الخمس؟ فقال: «سل الله العافية». فأعاد عليه، فقال له في الثَّالثة: «سل الله العافية في الدُّنيا والآخرة»٣.

وإذا كان هذا شأن العافية والصِّحَّة، فنذكر من هديه ﷺ في مراعاة هذه الأمور ما يتبيَّن لمن نظَر فيه أنَّه أكمل هديٍ على الإطلاق، ينال به حفظ صحَّة البدن والقلب وحياة الدُّنيا والآخرة. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه.

فصل

فأمَّا المطعم والمشرب، فلم يكن من عادته ﷺ حبسُ النَّفس على نوعٍ واحدٍ من الأغذية، لا يتعدَّاه إلى ما سواه، فإنَّ ذلك يضرُّ بالطَّبيعة جدًّا وقد

  1. (١) ن: «رسول الله»، وفي مصادر النقل والتخريج كما أثبت من الأصل وغيره.
  2. (٢) «له» ساقط من س.
  3. (٣) كتاب الحموي (ص ٢٣٠). وقد أخرجه السَّرَّاج في «حديثه» (١٣١٤، ١٩١٣) وفي «مسنده» (٨٦١) من طريق إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس به. وهذا إسناد ضعيف؛ فيه أبو يحيى وهو القتَّات الكوفيُّ، قال أحمد كما في «الجرح والتَّعديل» (٣/ ٤٣٣): «روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرةً مناكير جدًّا».
310

يتعذَّر عليها١ أحيانًا. فإن لم يتناول غيره ضعُف أو هلك، وإن تناول غيره لم تقبله الطَّبيعة واستضرَّ به. فقصرُها على نوعٍ واحدٍ دائمًا، ولو أنَّه أفضلُ الأغذية، خطرٌ مُضِرٌّ.

بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله، من اللَّحم والفاكهة والخبز والتَّمر وغيره ممَّا ذكرناه في هديه في المأكول، فعليك بمراجعته هاهنا.

وإذا كان في أحد الطَّعامين كيفيَّةٌ تحتاج إلى كسرٍ وتعديلٍ كسرَها وعدَّلها بضدِّها إن أمكن، كتعديله٢ حرارةَ الرُّطَب بالبطِّيخ. وإن لم يجد ذلك تناوَلَه على حاجةٍ وداعيةٍ من النَّفس من غير إسرافٍ، فلا تتضرَّر٣ به الطَّبيعة.

وكان إذا عافت نفسُه الطَّعامَ لم يأكله، ولم يحمِّلها إيَّاه على كرهٍ. وهذا أصلٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة. فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا تشتهيه كان تضرُّره به أكثر من انتفاعه.

قال أنس٤: ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قطُّ. إن اشتهاه أكله، وإلَّا تركه ولم يأكل منه.

  1. (١) س: «عليه».
  2. (٢) ن: «كتعديل».
  3. (٣) ما عدا الأصل (ف)، حط، ن: «ولا تتضرر».
  4. (٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة. وعزاه في «طريق الهجرتين» إلى عائشة. والصواب أنه من حديث أبي هريرة كما في «الوابل الصيب» للمؤلف (ص ٣٣٩). أخرجه البخاري (٣٥٦٣) ومسلم (٢٠٦٤).
311

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي