ولمَّا قُدِّم إليه الضَّبُّ المشويُّ لم يأكل منه. فقيل له: هو١ حرامٌ؟ قال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي. فأجدني أعافه». فراعى عادته وشهوته. فلمَّا لم يكن يعتاد أكلَه بأرضه وكانت نفسُه لا تشتهيه أمسَك عنه. ولم يمنع مِن أكله مَن يشتهيه، ومَن عادتُه أكلُه.
وكان يحبُّ اللَّحمَ، وأحبُّه إليه الذِّراعُ ومقدَّمُ الشَّاة٢، ولذلك سُمَّ فيه. وفي «الصَّحيحين»٣: أُتي رسولُ الله ﷺ بلحمٍ، فرُفِعَ إليه الذِّراعُ، وكانت تُعجبه.
وذكر أبو عبيد٤ وغيره عن ضُبَاعة بنت الزبير أنَّها ذبحت في بيتها شاةً
(١) ز، ن: «أهو».
(٢) أخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» (٩٤٨٠) عن ابن عمر - ﵄ -: «كان أحبّ الشَّاة إلى رسول الله ﷺ مقدَّمها»، قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٣٦): «فيه يحيى الحِمَّانيُّ وهو ضعيف»، وفيه أيضًا شيخُه عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيفٌ. وأخرجه عبد الرَّزَّاق (٨٧٧١)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٨٦٩)، عن مجاهد مرسلًا، قال البيهقيُّ في «الكبرى» (١٠/ ٧): «هذا منقطع، ولا يصحُّ وصله»، وقال النَّووي في «المجموع» (٩/ ٧٠): «مرسلٌ وهو ضعيفٌ». وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤١٦٠، ٤٢٩٢). وأخرجه البيهقيُّ في الدَّلائل (٦/ ٢٦) عن أسامة بن زيد - ﵄ - في حديثٍ طويل، وفي إسناده معاوية بن يحيى الصَّدفيُّ ضعيفٌ.
(٣) البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤).
(٤) في «غريب الحديث» (١/ ٣١٥). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٦٦٢٤)، وأحمد (٢٧٠٣١)، والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٣٣٧) وفي «الأوسط» (٦٠٤٠). قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٦٥): «فيه الفضل بن الفضل، قال بعضهم: تفرَّد عنه أسامة بن زيد اللَّيثي».
فأرسل إليها رسولُ الله ﷺ أن «أَطْعِمينا من شاتكم». فقالت للرَّسول: ما بقي عندنا إلا الرَّقبة، وإنِّي لأستحيي أن أُرسِل بها إلى رسول الله ﷺ. فرجع الرَّسول، فأخبره، فقال: «ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنَّها هادية الشَّاة وأقربُ الشاةِ١ إلى الخير، وأبعدُها من الأذى».
ولا ريب أنَّ أخفَّ لحم الشَّاة: لحمُ الرَّقبة، ولحم الذِّراع والعضد. وهو أخفُّ على المعدة، وأسرع انهضامًا. وفي هذا مراعاة الأغذية الَّتي تجمع ثلاثة أوصافٍ٢: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثَّاني: خفَّتها على المعدة وعدم ثقلها عليها. الثَّالث: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتَّغذِّي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره.
وكان يحبُّ الحلواء والعسل. وهذه الثَّلاثة ــ أعني: اللَّحم والعسل والحلواء ــ من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء. وللاغتذاء بها نفعٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة والقوَّة، ولا ينفر منها إلا من به علَّةٌ وآفةٌ.
وكان يأكل الخبز مأدومًا ما وجَد له إدامًا. فتارةً يأدِمَه باللَّحم، ويقول: «هو سيِّد طعام أهل الدُّنيا والآخرة». رواه ابن ماجه٣ وغيره. وتارةً
(١) كلمة «الشاة» ساقطة من طبعتي عبد اللطيف ونشرة الرسالة وغيَّرها الفقي إلى «وأقربها».
(٢) زاد الفقي بعده: «أحدها»، وتبعته نشرة الرسالة.
(٣) برقم (٣٣٠٥) من حديث أبي الدَّرداء ﵁، ولفظه: «سيِّد طعام أهل الدُّنيا وأهل الجنَّة اللَّحمُ». وأخرجه أيضًا ابن أبي الدُّنيا في «إصلاح المال» (١٨٥). وفي إسناده سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله، قال ابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٢٩): «سليمان شيخ يروي عن مسلمة ... بأشياء موضوعة، لا تشبه حديث الثِّقات»؛ ولذا أورده ابن الجوزيِّ في «الموضوعات» (٢/ ٣٠٢)، وضعَّفه ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٢٢)، والعراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٤٢٨)، والسَّخاويُّ في «الأجوبة المرضية» (١/ ٧٤)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٧٢٤). وفي الباب عن عليٍّ وصهيب بن سنان وربيعة بن كعب وبريدة وأنس، ولا يصحُّ منها شيء، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٢٥٨): «لا يثبت في هذا المتن عن النَّبيِّ ﷺ شيء».