زاد المعاد

وهذا ثناءٌ عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيلٌ له على غيره، كما يظنُّ الجهَّال. وسبب الحديث أنَّه دخل على أهله يومًا، فقدَّموا له خبزًا، فقال: «هل عندكم من أُدُمٍ١؟». قالوا: ما عندنا إلا خلٌّ، فقال: «نعم الأُدُم٢ الخلُّ».

والمقصود: أنَّ أكل الخبز مأدومًا من أسباب حفظ الصِّحَّة، بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمِّي الأُدُم أُدُمًا لإصلاحه الخبز وجعلِه ملائمًا لحفظ الصِّحَّة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النَّظر: «إنَّه أحرى أن يُؤْدَم بينهما»٣. أي أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإنَّ الزَّوج يدخل على بصيرةٍ، فلا يندم.

وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها. وهذا أيضًا من أكبر أسباب حفظ الصِّحَّة، فإنَّ الله سبحانه بحكمته جعل في كلِّ بلدةٍ من الفاكهة ما ينتفع به أهلُها في وقته، فيكون تناولُه من أسباب صحَّتهم وعافيتهم ويغني عن كثيرٍ من الأدوية. وقلَّ من احتمى عن فاكهة بلده خشيةَ السَّقم إلا

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «إدام».
  2. (٢) ما عدا الأصل (ف): «الإدام».
  3. (٣) أخرجه التِّرمذي (١٠٨٧)، والنَّسائي (٣٢٣٥)، وابن ماجه (١٨٦٦)، وأحمد (١٨١٣٧، ١٨١٥٤)، والدَّارمي (٢٣٤٣)، وغيرهم من حديث بكر المزني، عن المغيرة ﵁. وفي إسناده اختلاف، وفي سماع بكر من المغيرة خلاف، وقال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسن»، وكذا قال البغويُّ في «شرح السنة» (٩/ ١٧)، وصحَّحه ابن الجارود (٦٧٥)، وابن القطَّان في «أحكام النَّظر» (ص ٣٨٧)، وابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٦٢٣)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٥٠٣)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٢/ ١٠١)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٩٦).
315

وهو من أسقمِ النَّاس جسمًا، وأبعدِهم من الصِّحَّة والقوَّة. وما في تلك الفاكهة من الرُّطوبات، فحرارةُ الفصل والأرض وحرارةُ المعدة تُنضجها وتدفع شرَّها، إذا لم يسرف في تناولها، ولم يحمِّل منها الطَّبيعة فوق ما تحتمله، ولم يُفْسِد بها الغذاءَ قبل هضمه، ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناولِ١ الغذاء بعد التملِّي٢ منها؛ فإنَّ القولنج كثيرًا ما يحدث عند ذلك. فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي= كانت له دواءً نافعًا.

فصل

في هديه ﷺ في هيئة الجلوس للأكل

صحَّ عنه أنَّه قال: «لا آكل متَّكئًا»٣. وقال: «إنَّما أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد»٤.

  1. (١) ث، ل: «لتناول».
  2. (٢) يعني الامتلاء. وأصله التملُّؤ بالهمز. وفي ث، د: «التخلي». وفي ل: «التحلي»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وكلاهما تصحيف.
  3. (٣) أخرجه البخاري (٥٣٩٨) من حديث أبي جحيفة.
  4. (٤) أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (١/ ٣٨١)، وأبو يعلى (٤٩٢٠)، وعنه أبو الشَّيخ في «أخلاق النَّبيِّ» (٦١٧)، من حديث عائشة ﵂. وضعَّف إسناده ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٤٤٦)، والعراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٤١٩)؛ ففيه أبو معشر: نجيح السِّندي المدني، وهو ضعيف أسنَّ واختلط. ومع ذلك حسَّن إسناده الهيثميُّ في «المجمع» (٩/ ١٩). وللحديث شواهد لا تخلو من ضَعفٍ، ويُروى من أوجه مُرسلًا، قال الذَّهبي في «السِّير» (٢/ ١٩٤): «هذا حديث حسن غريب»، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٤٤).
316

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي