وهو من أسقمِ النَّاس جسمًا، وأبعدِهم من الصِّحَّة والقوَّة. وما في تلك الفاكهة من الرُّطوبات، فحرارةُ الفصل والأرض وحرارةُ المعدة تُنضجها وتدفع شرَّها، إذا لم يسرف في تناولها، ولم يحمِّل منها الطَّبيعة فوق ما تحتمله، ولم يُفْسِد بها الغذاءَ قبل هضمه، ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناولِ١ الغذاء بعد التملِّي٢ منها؛ فإنَّ القولنج كثيرًا ما يحدث عند ذلك. فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي= كانت له دواءً نافعًا.
فصل
في هديه ﷺ في هيئة الجلوس للأكل
صحَّ عنه أنَّه قال: «لا آكل متَّكئًا»٣. وقال: «إنَّما أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد»٤.
(١) ث، ل: «لتناول».
(٢) يعني الامتلاء. وأصله التملُّؤ بالهمز. وفي ث، د: «التخلي». وفي ل: «التحلي»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وكلاهما تصحيف.
(٣) أخرجه البخاري (٥٣٩٨) من حديث أبي جحيفة.
(٤) أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (١/ ٣٨١)، وأبو يعلى (٤٩٢٠)، وعنه أبو الشَّيخ في «أخلاق النَّبيِّ» (٦١٧)، من حديث عائشة ﵂. وضعَّف إسناده ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٤٤٦)، والعراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٤١٩)؛ ففيه أبو معشر: نجيح السِّندي المدني، وهو ضعيف أسنَّ واختلط. ومع ذلك حسَّن إسناده الهيثميُّ في «المجمع» (٩/ ١٩). وللحديث شواهد لا تخلو من ضَعفٍ، ويُروى من أوجه مُرسلًا، قال الذَّهبي في «السِّير» (٢/ ١٩٤): «هذا حديث حسن غريب»، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٤٤).
وروى ابن ماجه في «سننه»١ أنَّه نهى أن يأكل الرَّجلُ وهو منبطحٌ على وجهه.
وقد فُسِّر الاتِّكاء بالتَّربُّع، وفُسِّر بالاتِّكاء على الشَّيء وهو الاعتماد عليه، وفُسِّر بالاتِّكاء على الجنب. والأنواع الثَّلاثة من الاتِّكاء، فنوعٌ منها يضرُّ بالآكل وهو الاتِّكاء على الجنب، فإنَّه يمنع مجرى الطَّعام الطَّبيعيِّ عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة، ويضغط المعدة، فلا يستحكم فتحها للغذاء. وأيضًا فإنَّها تميل ولا تبقى منتصبةً، فلا يصل الغذاء إليها بسهولةٍ.
وأمَّا النَّوعان الآخران، فمن جلوسِ الجبابرة المنافي للعبوديَّة. ولهذا قال: «آكل كما يأكل العبد»، وكان يأكل وهو مُقْعٍ٢. ويذكر عنه أنَّه كان يجلس للأكل متورِّكًا على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى٣، تواضعًا لربِّه ﷿، وأدبًا بين يديه، واحترامًا للطَّعام
(١) برقم (٣٣٧٠) من طريق جعفر بن برقان، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه به. وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٧٧٤)، والرُّويانيُّ (١٣٩٢، ١٤٠٧)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ١٨٤). قال أبو داود: «هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزُّهريِّ، وهو منكرٌ»، وقال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٣/ ٧١٦): «ليس هذا من صحيح حديث الزُّهريِّ ... هو مفتعل، ليس من حديث الثِّقات»، وقال البيهقيُّ في «السُّنن الصَّغير» (٣/ ٨٧): «هذا المتن بهذا الإسناد ضعيف». وأمَّا الحاكم فقد صحَّحه (٤/ ١٢٩). وينظر: «الإرواء» (١٩٨٢)، و«السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٣٩٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٤٤) من حديث أنس.
(٣) كتاب الحموي (ص ١٨٣)، ومنه نقل هذا الكلام إلى آخر الفصل بشيء من التصرف. ولم أقف على الحديث بهذا اللفظ. وذكر الغزاليُّ في «الإحياء» (٢/ ٣٦٩) قال: «وكان كثيرًا إذا جلس يأكُلُ يجمَع بين ركبتَيه، وبين قدَميه، كما يجلس المصلِّي، إلَّا أنَّ الرُّكبةَ تكون فوق الرُّكبة، والقدم فوق القدَم»، وذكره السُّبكيُّ في «طبقات الشَّافعيَّة» (٦/ ٣٢٥) ضمنَ الأحاديث الَّتي لم يجِد لها إسنادًا. وأخرج ابن ماجه (٣٢٦٣) عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: «أهدِيت للنَّبيِّ ﷺ شاةٌ، فجثا رسولُ الله ﷺ على ركبتَيه يأكل» الحديث. وصحَّح إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٨)، وحسَّنه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٤١)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٢٧). وله شاهد عن أبيٍّ بن كعب ﵁.