زاد المعاد

وروى ابن ماجه في «سننه»١ أنَّه نهى أن يأكل الرَّجلُ وهو منبطحٌ على وجهه.

وقد فُسِّر الاتِّكاء بالتَّربُّع، وفُسِّر بالاتِّكاء على الشَّيء وهو الاعتماد عليه، وفُسِّر بالاتِّكاء على الجنب. والأنواع الثَّلاثة من الاتِّكاء، فنوعٌ منها يضرُّ بالآكل وهو الاتِّكاء على الجنب، فإنَّه يمنع مجرى الطَّعام الطَّبيعيِّ عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة، ويضغط المعدة، فلا يستحكم فتحها للغذاء. وأيضًا فإنَّها تميل ولا تبقى منتصبةً، فلا يصل الغذاء إليها بسهولةٍ.

وأمَّا النَّوعان الآخران، فمن جلوسِ الجبابرة المنافي للعبوديَّة. ولهذا قال: «آكل كما يأكل العبد»، وكان يأكل وهو مُقْعٍ٢. ويذكر عنه أنَّه كان يجلس للأكل متورِّكًا على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى٣، تواضعًا لربِّه ﷿، وأدبًا بين يديه، واحترامًا للطَّعام

  1. (١) برقم (٣٣٧٠) من طريق جعفر بن برقان، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه به. وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٧٧٤)، والرُّويانيُّ (١٣٩٢، ١٤٠٧)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ١٨٤). قال أبو داود: «هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزُّهريِّ، وهو منكرٌ»، وقال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٣/ ٧١٦): «ليس هذا من صحيح حديث الزُّهريِّ ... هو مفتعل، ليس من حديث الثِّقات»، وقال البيهقيُّ في «السُّنن الصَّغير» (٣/ ٨٧): «هذا المتن بهذا الإسناد ضعيف». وأمَّا الحاكم فقد صحَّحه (٤/ ١٢٩). وينظر: «الإرواء» (١٩٨٢)، و«السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٣٩٤).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٠٤٤) من حديث أنس.
  3. (٣) كتاب الحموي (ص ١٨٣)، ومنه نقل هذا الكلام إلى آخر الفصل بشيء من التصرف. ولم أقف على الحديث بهذا اللفظ. وذكر الغزاليُّ في «الإحياء» (٢/ ٣٦٩) قال: «وكان كثيرًا إذا جلس يأكُلُ يجمَع بين ركبتَيه، وبين قدَميه، كما يجلس المصلِّي، إلَّا أنَّ الرُّكبةَ تكون فوق الرُّكبة، والقدم فوق القدَم»، وذكره السُّبكيُّ في «طبقات الشَّافعيَّة» (٦/ ٣٢٥) ضمنَ الأحاديث الَّتي لم يجِد لها إسنادًا. وأخرج ابن ماجه (٣٢٦٣) عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: «أهدِيت للنَّبيِّ ﷺ شاةٌ، فجثا رسولُ الله ﷺ على ركبتَيه يأكل» الحديث. وصحَّح إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٨)، وحسَّنه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٤١)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٢٧). وله شاهد عن أبيٍّ بن كعب ﵁.
317

وللمؤاكل. فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأنَّ الأعضاء كلَّها تكون على وضعها الطَّبيعيِّ الذي خلقها الله سبحانه عليه، مع ما فيها من الهيئة الأدبيَّة، وأجودُ ما اغتذى الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها الطَّبيعيِّ، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبًا الانتصاب الطَّبيعيِّ.

وأردأ الجلسات للأكل الاتِّكاءُ على الجنب، لما تقدَّم من أنَّ المَريء وأعضاء الازدراد تضيق عند هذه الهيئة، والمعدة لا تبقى على وضعها الطَّبيعيِّ، لأنَّها تنعصر ممَّا يلي البطن بالأرض، وممَّا يلي الظَّهر بالحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التَّنفُّس١.

وإن كان المراد بالاتِّكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس، فيكون المعنى أنِّي إذا أكلتُ لم أقعد متِّكئًا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطَّعام، لكنِّي آكل بُلْغةً كما يأكل العبد٢.

  1. (١) هذا الوضع يكون إذا أكل الإنسان وهو منبطح على وجهه. وقد ذكره الحموي (ص ١٨٥) في شرح حديث ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه».
  2. (٢) قال الحموي: «وإلى ذلك ذهب الخطابي». يعني: في «معالم السنن» (٤/ ٢٤٣).
318

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي