ولمَّا كان الماء البائت أنفع من الذي يُشرَب وقت استقائه قال النَّبيُّ ﷺ وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التَّيِّهان: «هل من ماءٍ بات في شَنَّةٍ؟». فأتاه به، فشرب منه. رواه البخاريُّ١ ولفظه: «إن كان عندكم ماءٌ بات في شَنٍّ وإلَّا كرَعنا».
وقد ذُكِر أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُستعذب له الماءُ، ويختار البائت منه٣.
وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يُستقى له الماء العذب من بئر السُّقيا٤.
والماء الذي في القِرَب والشِّنان ألذُّ من الذي يكون في آنية الفخَّار
(١) برقم (٥٦٢١) من حديث جابر ولفظه: «عندك» و«شنَّةٍ»، وإنما اغترَّ المؤلف بسياق الحموي (ص ٤٨٨) مع أنه لم ينصَّ على أن هذا لفظه.
(٢) س، حط، ن: «شرب».
(٣) انظر: مخطوط كتاب الحموي (ق ١٥٢/أ) وقد حذف ناشره «له». روي حديث عائشة الآتي بلفظ: كان رسول الله ﷺ يُستعذب له الماء من السقيا، عن أبي داود وابن سعد في الطبقات وغيرهما. وأما اختيار البائت فكما في حديث جابر الذي مرّ قبل قليل.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٧٣٥)، وابن سعد في «الطَّبقات» (١/ ٤٩٤، ٥٠٦)، وأحمد (٢٤٦٩٣، ٢٤٧٧٠)، وأبو يعلى (٤٦١٣)، وغيرهم. وصحَّحه ابن حبَّان (٥٣٣٢)، والحاكم (٤/ ١٣٨)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٩٨)، وجوَّد إسناده ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٧٤). وأعلّه الإمام أحمد، كما في «مسائل أبي داود» (٤١٨).
والأحجار وغيرها، ولا سيَّما أسقية الأَدَم. ولهذا التمس النَّبيُّ ﷺ ماءً بات في شنَّةٍ دون غيرها من الأواني. وفي الماء إذا وُضِع في الشِّنان وقِرَب الأَدَم خاصَّةٌ لطيفةٌ لما فيها من المسامِّ المنفتحة الَّتي يرشح منها الماء. ولهذا الماءُ١ في الفخَّار الذي يرشح ألذُّ٢ منه وأبردُ في الذي لا يرشح. فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق، وأشرفِهم نفسًا، وأفضلِهم هديًا في كلِّ شيءٍ. لقد دلَّ أمَّته على أفضل الأمور وأنفعِها لهم في القلوب والأبدان والدُّنيا والآخرة.
قالت عائشة: كان أحبُّ الشَّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد٣. وهذا يحتمل أن تريد٤ به الماء العذب كمياه العيون والآبار الحلوة فإنَّه كان يُستعذَب له الماء. ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل٥ أو الذي نُقِعَ فيه التَّمر والزَّبيب. وقد يقال ــ وهو الأظهر ــ: يعمُّهما جميعًا.
(١) في طبعة الرسالة: «كان الماء» تبعًا للفقي الذي زاد «كان».
(٢) ث، ل: «من الفخار ألذُّ»، تحريف وسقط.
(٣) أخرجه التِّرمذيُّ (١٨٩٥)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٦٨١٥)، وأحمد (٢٤١٠٠، ٢٤١٢٩)، وأبو يعلى (٤٥١٦)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٣٠٤)، وغيرهم. واختُلف في إسناده، فيُروى من مسند أبي هريرة ﵁، ورجَّح أبو زرعة إرساله كما في «العلل» لابن أبي حاتم (٤/ ٤٨٨)، وكذا التِّرمذي، والدَّارقطني في «العلل» (١٤/ ١١٩)، والبيهقي في «الآداب» (ص ١٧٤)، ومع ذلك صحَّحه الحاكم (٤/ ١٣٧)، وخرَّجه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢١٣٤، ٣٠٠٦). وفي الباب عن ابن عبَّاس - ﵄ -.
(٤) لم ينقط حرف المضارع في الأصل هنا وفي الموضع الآتي، وكذا في ث. وفي ن في الموضعين: «تريد»، وفي حط: «يريد» أي القائل. والأخرى مذبذبة بينهما.
(٥) أثبت ناسخ د «الماء الممزوج بالعسل» في السطر السابق بعد كلمة «العذب».