فإن قيل: فما تصنعون بما في «الصَّحيحين»١ من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ كان يتنفَّس في الإناء ثلاثًا؟
قيل: نقابله بالقبول والتَّسليم. ولا معارضة بينه وبين الأوَّل، فإنَّ معناه أنَّه كان يتنفَّس في شربه ثلاثًا. وذكر الإناء لأنَّه آلة الشُّرب. وهذا كما جاء في الحديث الصَّحيح: أنَّ إبراهيم ابن رسول الله ﷺ مات في الثَّدي، أي في مدَّة الرَّضاع٢.
فصل
وكان ﷺ يشرب اللَّبن خالصًا تارةً، ومشوبًا بالماء أخرى. وفي شرب اللَّبن الحلو في تلك البلاد الحارَّة خالصًا ومشوبًا نفعٌ عظيمٌ في حفظِ الصِّحَّة، وترطيبِ البدن وريِّ الكبد، ولا سيَّما اللَّبن الذي ترعى دوابُّه الشِّيح والقَيصُومَ والخُزامى٣ وما أشبهها، فإنَّ لبنها غذاءٌ مع الأغذية، وشرابٌ مع الأشربة، ودواءٌ مع الأدوية.
وفي «جامع الترمذي»٤ عنه ﷺ: «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللَّهمَّ
- (١) البخاري (٥٦٣١) ومسلم (٢٠٢٨).
- (٢) أخرجه مسلم (٢٣١٦) من حديث أنس.
- (٣) أنواع من النبات طيب الرائحة ترعاها الماشية.
- (٤) برقم (٣٤٥٥) من طريق عليِّ بن زيد، عن عمر بن حرملة، عن ابن عبَّاس ﵄ به. وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٧٣٠)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٠٤٥، ١٠٠٤٦)، وأحمد (١٩٧٨، ٢٥٦٩). وإسناده ضعيفٌ؛ عليٌّ ــ وهو ابن جُدعان ــ ضعيف، وشيخه مجهول. وأخرجه ابن ماجه (٣٣٢٢) عن هشام بن عمَّار، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس بنحوه، وهذا طريقٌ مُعلٌّ؛ قال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٤/ ٣٥٩): «ليس هذا من حديث الزُّهريِّ، إنَّما هو من حديث عليِّ بن زيد، عن عمر بن حرملة، عن ابن عبَّاس ... وأخاف أن يكونَ قد أُدخِل على هشام؛ لأنَّه لمَّا كبِر تغيَّر». وقد حسَّنه المصنِّف كما سبق (٢/ ٤٧٣) وابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (٥/ ٢٣٨)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٣٢٠).