قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أحدكم في الشَّمس، فقلَص عنه الظِّلُّ فصار بعضه في الشَّمس وبعضه في الظِّلِّ، فليقُمْ».
وفي «سنن ابن ماجه»١ وغيره من حديث بريدة بن الحُصَيب أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يقعد الرَّجل بين الظِّلِّ والشَّمس.
وهذا تنبيهٌ على منع النَّوم بينهما.
وفي «الصَّحيحين»٢ عن البراء بن عازبٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصَّلاة، ثمَّ اضطَجِعْ على شقِّك الأيمن، ثمَّ قل: اللَّهمَّ إنِّي أسلمتُ وجهي٣ إليك٤، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجا ولا منجا منك إلا إليك. آمنتُ
(١) برقم (٣٧٢٢) من طريق أبي المنيب، عن ابن بريدة، عن أبيه ﵁. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٥٧٢٨)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٥٣١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢). قال ابن القطَّان في «أحكام النَّظر» (ص ٢٦٦): «هو ممَّا (أنكروه) على أبي المنيب، وقد اختلف أهل العلم فيه؛ فوثَّقه قوم، وضعَّفه آخرون، واعتلُّوا عليه بأحاديث منكرة يرويها»، وحسَّن إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ١١٦)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٩٠٥).
(٢) البخاري (٦٣١١) ومسلم (٢٧١٠)، وهذا لفظه.
(٣) في النسخ المطبوعة: «نفسي» كما في «صحيح البخاري» (٦٣١٥).
(٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «ووجهت وجهي إليك» كما في حديث البخاري (٦٣١٥)، وتفسير المؤلف للحديث فيما يأتي على هذه الرواية.
بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيِّك الذي أرسلتَ. واجعلهنَّ آخر كلامك، فإن متَّ من ليلتك متَّ على الفطرة».
وفي «صحيح البخاريِّ»١ عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا صلَّى ركعتي الفجر ــ يعني سنَّتها ــ اضطجع على شقِّه الأيمن.
وقد قيل٢: إنَّ الحكمة في النَّوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النَّائم في نومه، لأنَّ القلب فيه ميلٌ إلى جهة اليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلبُ مستقرَّه من الجانب الأيسر. وذلك يمنع من استقرار النَّائم واستثقاله في نومه، بخلاف قراره في النَّوم على اليسار، فإنَّه في مستقرِّه، فيحصل بذلك الدَّعة التَّامَّة، فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل، فتفوته مصالح دينه ودنياه.
ولمَّا كان النَّائم بمنزلة الميِّت، والنَّوم أخو الموت، ولهذا يستحيل على الحيِّ الذي لا يموت، وأهلُ الجنَّة لا ينامون فيها= كان النَّائم محتاجًا إلى من يحرس نفسه ويحفظها ممَّا يعرض لها من الآفات، ويحرس بدنه أيضًا من طوارق الآفات، وكان ربُّه وفاطره تعالى هو المتولِّي لذلك وحده= علَّم النَّبيُّ ﷺ النَّائمَ أن يقول كلمات التَّفويض والالتجاء والرَّغبة والرَّهبة، ليستدعي بها كمالَ حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه. وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمانَ، وينام عليه، ويجعل التَّكلُّمَ به آخر كلامه، فإنَّه ربَّما توفَّاه الله في منامه؛ فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنَّة. فتضمَّن هذا الهديُ في المنام مصالحَ القلب والبدن والرُّوح، في النَّوم واليقظة، والدُّنيا والآخرة. فصلوات
(١) برقم (١١٦٠).
(٢) انظر: كتاب الحموي (ص ٢٠٥ - ٢٠٦). وانظر ما سبق في (ص ٣٤٥) و(١/ ٣٧٧).