ثمَّ ختم الدُّعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله، الذي هو ملاك النَّجاة والفوز في الدُّنيا والآخرة. فهذا هديه في نومه.
لو لم يقل إنِّي رسولٌ أماشاهدُه في هديه ينطق١
فصل
وأمَّا هديه في يقظته، فكان يستيقظ إذا صاح الصَّارخ وهو الدِّيك، فيحمد الله تعالى ويكبِّره ويهلِّله ويدعوه، ثمَّ يستاك، ثمَّ يقوم إلى وضوئه. ثمَّ يقف للصَّلاة بين يدي ربِّه مناجيًا له بكلامه، مثنيًا عليه، راجيًا له، راغبًا راهبًا. فأيُّ حفظٍ لصحَّة القلب والبدن والرُّوح والقوى ولنعيم الدُّنيا والآخرة فوق هذا!
فصل
وأمَّا تدبير الحركة والسُّكون، وهو الرِّياضة، فنذكر منها فصلًا يعلم منه مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها، فنقول:
من المعلوم افتقار البدن في بقائه إلى الغذاء والشَّراب. ولا يصير الغذاء بجملته جزءًا من البدن، بل لا بدَّ أن يبقى منه عند كلِّ هضمٍ بقيَّةٌ ما، إذا كثرت على ممرِّ الزَّمان اجتمع منها شيءٌ له كمِّيَّةٌ وكيفيَّةٌ. فيضرُّ بكمِّيَّته بأن يسُدَّ
(١) ث، ل: «شاهدته»، والبيت في سائر النسخ والطبعة الهندية كما أثبت. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «رسولٌ لكان شاهدٌ». والبيت للصرصري من قصيدة في «المختار من مدائح المختار» (ص ٢٦٩ طبعة المنار). وفيه: «شاهده في وجهه» وغيَّره المؤلف ليوافق استشهاده.
ويُثقل البدن، ويوجب أمراض الاحتباس. وإن استفرغ تأذَّى البدنُ بالأدوية لأنَّ أكثرها سمِّيَّةٌ، ولا تخلو من إخراج الصَّالح المنتفع به. ويضرُّ بكيفيَّته بأن يسخِّن بنفسه أو بالعفَن١، أو يبرِّد٢ بنفسه، أو يُضعِف الحرارة الغريزيَّة عن إنضاجه.
وسُدَدُ الفضلات لا محالة ضارَّةٌ تُرِكت أو استُفْرِغت. والحركة أقوى الأسباب في منع تولُّدها، فإنَّها تسخِّن الأعضاء، وتُسِيل فضلاتها، فلا تجتمع على طول الزَّمان؛ وتعوِّد البدنَ الخفَّةَ والنَّشاطَ، وتجعله قابلًا للغذاء، وتصلِّب المفاصلَ، وتقوِّي الأوتار والرِّباطات، وتؤمِّن جميعَ الأمراض المادِّيَّة وأكثرَ المزاجيَّةِ٣ إذا استُعمِلَ القدرُ المعتدلُ منها في وقته وكان باقي التَّدبير صوابًا.
ووقتُ الرِّياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم. والرِّياضة المعتدلة هي الَّتي تحمرُّ فيها البشرة وتربو، ويتندَّى بها البدن. فأمَّا٤ الَّتي يلزمها سيلان العرَق فمفرطةٌ. وأيُّ عضوٍ كثرت رياضته قَوِيَ، وخصوصًا على نوع تلك الرِّياضة؛ بل كلُّ قوَّةٍ فهذا شأنها. فإنَّ من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوَّتُه المفكِّرة.
(١) س: «التعفن».
(٢) ل، ن: «برد».
(٣) س، ث، ل: «الأمراض المزاجية». وقد وضعت علامة الحذف على كلمة «الأمراض» في س عند المقابلة. وكذا بزيادة «الأمراض» في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي «الآداب الشرعية» (٢/ ٣٩٠) كما أثبت.