زاد المعاد

له من١ التَّوصُّل به إلى خيرات الدُّنيا والآخرة ودفعِ شرورهما فأمرٌ وراء ذلك.

فعلمت أنَّ هديه فوق كلِّ هديٍ في طبِّ الأبدان والقلوب، وحفظِ صحتهما ودفعِ أسقامهما، ولا مزيد على ذلك لمن قد أُحضِر رشدَه. وباللَّه التَّوفيق.

فصل

وأمَّا الجماع والباه، فكان هديه فيه أكمل هديٍ يحفظ به الصِّحَّة، وتتمُّ به اللَّذَّة وسرور النَّفس، ويحصل به مقاصده الَّتي وضع لأجلها. فإنَّ الجماع في الأصل وضع٢ لثلاثة أمورٍ هي مقاصده الأصليَّة:

أحدها: حفظ النَّسل ودوام النَّوع إلى أن تتكامل العِدَّة الَّتي قدَّر الله بروزها إلى هذا العالم.

الثَّاني: إخراج الماء الذي يضرُّ احتباسه واحتقانه بجملة البدن.

الثَّالث: قضاء الوطر ونيل اللَّذَّة والتَّمتُّع بالنِّعمة. وهذه وحدها هي الفائدة الَّتي في الجنَّة، إذ لا تناسل هناك٣ ولا احتقان يستفرغه الإنزال.

وفضلاء الأطبَّاء يرون٤ أنَّ الجماع من أحد٥ أسباب حفظ الصِّحَّة.

  1. (١) حرف «من» ساقط من ل.
  2. (٢) ن: «وضع في الأصل».
  3. (٣) هنا حاشية في الأصل (ف) ذهب بعضها، أشير فيها إلى أن في المسألة خلافًا تقدَّم ذكره في فصل قدوم وفد بني المنتفق.
  4. (٤) في كتاب الحموي (ص ٣٥١): «وجالينوس يرى ...» والفقرة كلها منقولة من كتابه.
  5. (٥) كذا في كتاب الحموي أيضًا بدلًا من «أحدُ». وهو أسلوب قديم، ومن نظائره قول الثعالبي في «فقه اللغة» (٢/ ٥٣٤ - الخانجي) إن حمزة «ذكر أن تكاثر الدواهي من إحدى الدواهي». ومنها قول أبي الفرج الببغاء:
    أوليس من إحدى العجائب أنني ... فارقته وحييتُ بعد فراقه
    انظر: «يتيمة الدهر» (١/ ١٥٩).
357

قال جالينوس: الغالب على جوهر المنيِّ النَّار والهواء، ومزاجه حارٌّ رطبٌ لأنَّ كونه من الدَّم الصَّافي الذي تغتذي١ به الأعضاء الأصليَّة. وإذا ثبت فضل المنيِّ فاعلم أنَّه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النَّسل أو إخراج المحتقَن منه، فإنَّه إذا دام احتقانه أحدث أمراضًا رديَّة منها: الوسواس والجنون والصَّرع وغير ذلك. وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرًا، فإنَّه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفيَّةٍ سمِّيَّةٍ تُوجب أمراضًا رديَّةً، كما ذكرنا. ولذلك تدفعه الطَّبيعة٢ إذا كثر عندها من غير جماعٍ.

وقال بعض السَّلف٣: ينبغي للرَّجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثًا: أن لا يدع المشيَ فإن احتاج إليه يومًا قدَر عليه. وينبغي أن لا يدع الأكل فإنَّ أمعاءه تضيق. وينبغي أن لا يدع الجماع فإنَّ البئر إذا لم تُنزَح ذهب ماؤها.

وقال محمَّد بن زكريَّا٤: من ترك الجماع مدَّةً طويلةً ضعفت قوى أعضائه٥، واستدَّ٦ مجاريها، وتقلَّص ذكره. قال: ورأيت جماعةً تركوه

  1. (١) أهمل حرف المضارع في ف، ل. وفي د: «يغتذي». وفي س: «يتغذَّى».
  2. (٢) زاد الشيخ الفقي بعده من عنده: «بالاحتلام»، وتابعته نشرة الرسالة دون أصلها.
  3. (٣) هو عبد الله بن بريدة. في كتاب الحموي (ص ٣٥٢): «روي عن الحسين بن واقد عن ابن بريدة». وقد أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ١٣٩).
  4. (٤) الرازي في كتابه «الحاوي» (٣/ ٣٧٦).
  5. (٥) في الأصل (ف): «أعصابه». والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في كتاب الحموي (ص ٣٥٢) ومصدره «الحاوي».
  6. (٦) حط: «وانسدَّ». وأثبت الفقي ومن تبعه: «وانسدَّت»، وكذا في مطبوعة «الحاوي».
358

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي